أسبوع وزيادة مر على إعلان هذه الاتفاقية المهمة بين السعودية وباكستان وتركيا، شرف المكان ممثلا في مكة، والزمان مثلته قدسية اللحظة؛ صلاة الجمعة وما تمثله للمسلمين من روح وروحانية، كل ذلك دفع بهذه الاتفاقية لتكون محور حديث القنوات والمنتديات وكثير من الشخصيات السياسية والمسيسة.

تركيا دولة مهمة في المنطقة فهي خليط من الشرق والغرب، على مستوى الجغرافيا نتحدث، وكذلك على المستوى السياسي كونها عضوا في حلف الناتو وهذا يعكس شيئا من أهميتها، كذلك لديها كتلة سكانية كبيرة ولديها اقتصاد مزدهر وصناعات عسكرية أثبتت جدارتها في الصراعات الإقليمية الأخيرة، ولعل طائرة البيرقدار شاهد على ذلك التفوق التقني، الذي حضر بقوة في مشهدنا العسكري في الشرق الأوسط.

باكستان كذلك تمتلك مؤهلات الدولة المهمة، فموقعها الجغرافي بإطلالته البحرية المفتوحة على بحر العرب، وكذلك تعدادها السكاني الكبير، وفوق ذلك دولة نووية حاضرة بقوة في المشهد العالمي الجديد.

أما المملكة العربية السعودية فهي بعمقها الروحي وأبعادها التاريخية والجغرافية تمثل القلب من الجسد، فهي مركز العالم الإسلامي ومهوى أفئدة المسلمين باحتضانها ورعايتها للحرمين الشريفين وما ينبثق عن هذه الرعاية من مكانة نبيلة في قلوب المسلمين والعالم أجمع.

السعودية تتعرض أراضيها لمخاطر عديدة وهذه المرحلة من تاريخها تمثل مرحلة انكشاف ومكاشفة مع الأصدقاء قبل الأعداء، فمكانة السعودية ومكانها يجعلانها مستهدفة من بعض القوى الإقليمية وأذرعها في المنطقة، وهنا تظهر الحصافة والكياسة عند القيادة السعودية التي سارعت في هندسة هذا الاتفاق ليكون البداية المثلى لفصل جديد من تاريخ منطقتنا العربية والإسلامية.

الدول الثلاث تملك من الإمكانات ما يجعلها مجتمعة رقما صعبا يصعب تجاوزه في حالات الحرب والسلام، عكس بعض ذلك مستوى الضجيج الذي صاحب إعلان هذه الاتفاقية من إسرائيل وبعض المحللين الذين صدمهم الاتفاق وتوقيته ومكانه ومركزه وأطرافه.

مكة وقدسيتها ألقت بظلالها على هذا الاتفاق وأخرجته من كونه مجرد اتفاق سياسي بين قوى إقليمية، ليصبح محورا جديدا يتمحور حوله كل من ينشد السلام والاستقرار في المنطقة العربية التي أنهكتها الحروب والصراعات الدامية، وجعلتها تعيش منذ أحداث الربيع العربي موجات من القتل والتدمير والتشريد، تأتي هذه الموجات من الشرق؛ إيران تارة، ومن الغرب؛ إسرائيل تارة أخرى، وأمريكا بين تلك الموجات وجدت أن مضيق هرمز ملاذا آمنا لها، فهو يختزل الجغرافيا السياسية بأبعادها المختلفة في ذلك المدخل البحري الضيق، المفارقة العجيبة أن هذا الظرف الذي نعيشه في الخليج سيعيد لرأس الرجاء الصالح صلاحيته ووهجه من جديد، ليصبح المنعطف البحري الأهم الذي سيكون شاهدا على رحلة النفط من الشرق الأوسط الجديد بأحداثه وإحداثياته، إلى الشرق الأقصى القديم.

ويبقى السؤال هل سيكون لاتفاق مكة رأي آخر حول هذا المسار الطويل؟ أليس باب المندب الأقرب للعالم ولنفط الخليج في هذه الظروف الاستثنائية؟ ماذا لو عاد باب المندب معتذرا بلسان عربي أصيل؟!