يا هنانا بالنبي.. ذلك الفضل من الله
عبدالله فدعق3 دقائق للقراءةحجم الخط
يمر علينا شهر ربيع الأول، فيختلف الناس في الطريقة التي يعبرون بها عن محبتهم لسيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، ويبقى أصل المحبة أوسع من الخلاف، وأعمق من المناسبات؛ فليس المقصود أن نضيف يوما إلى التقويم، ولا أن نعيد جدلا قديما، بل أن نعيد معنى إلى الحياة؛ وأن نسأل أنفسنا بهدوء: ما مكان ومكانة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في قلوبنا؟ وماذا بقي أو لا بد أن يبقى من أثره ومآثره في أخلاقنا وطريقتنا في النظر إلى الكون والكائنات؟
في حديث صحيح؛ يقول سيدنا حبيب بن سباع: تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك، قال: نعم، قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني؛ وهو ما يؤكد لصاحب البصيرة أن ليس كل غياب انقطاعا، فقد يعيش الإنسان قريبا من شخص فلا يعرفه، وقد تفصل بينه وبين آخر قرون طويلة، ثم يجد أثره في أعمق مواضع روحه.
المسافات لا تقاس دائما بما بين الأجساد، وإنما بما بين المعاني؛ وبعض المعاني أقوى من الزمن، وأبقى من المشاهدة، وأقدر على صناعة الإنسان؛ فنحن من أولئك الذين آمنوا به صلى الله عليه وسلم ولم نره، ولم نسمع صوته، ولم نجلس في مجلسه، ولم نمش معه، لكننا عرفنا الله تعالى من الرسالة التي حملها، وتعلمنا من هديه، وعرفنا من سيرته أن القوة يمكن أن تجتمع بالرحمة، والعفو لا يناقض القدرة، والإنسان يعلو بصدقه وأمانته، لا بما يملك ويغلب.
ليس العجيب أننا أحببنا نبيا لم نره؛ بل الأعجب أنه اشتاق إلى قوم لم يرهم؛ ففي الحديث الصحيح، أتى صلى الله عليه وسلم المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، ثم قال: لوددنا أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أو لسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون بعدي؛ نحن الذين أتينا بعده، والحاضرون في قلبه قبل أن نحضر في الدنيا، والذين سمانا إخوانه قبل أن تحملنا الأسماء والسجلات؛ فأي معنى أرق من أن نعلم أنه صلى الله عليه وسلم تمنى رؤيتنا؟ وكيف يليق بمن اشتاق إلى لقائنا، أن يكون نصيبه منا اسما نردده، لا حبا وهديا يسري في حياتنا؟
أختم بأن المحبة الصادقة لسيد البشر صلى الله عليه وسلم ليست كلمة تقال، ولا عاطفة تزور القلب في موسم ثم تنصرف؛ فمن أحبه أحب الصدق حين تكون للكذب منفعة، والعدل حين يكون الهوى في الجهة الأخرى، والرحمة حين تقدر النفس على القسوة، والعفو حين تملك اليد أن تنتقم؛ والمحب الصادق لا يكتفي بأن يذكر من يحب، بل يلتزم بمنهجه في طريقته في الحياة، ويقرأ سيرته بوصفها سؤالا أخلاقيا مفتوحا عن قيمة التقدم إذا تراجع الإنسان؟ وقيمة القوة إذا تجردت من الرحمة؟ وقيمة النجاح إذا خسر المرء في سبيله ضميره؟ وماذا غيرت محبته فينا؟ هل جعلتنا أصدق حديثا، وأوفى عهدا، وأرحم بأهلنا، وأعدل مع من نختلف معهم؟ لقد آمنا به ولم نره، واشتاق إلينا قبل أن نوجد، ونرجو أن يعرفنا حين نلقاه؛ وبين شوقنا إليه وشوقه إلينا تقع مسؤولية العمر كله، قال صلى الله عليه وسلم: من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله.
