في جدة، حيث تتقاطع الذاكرة الغنائية العربية مع إيقاع المدينة الحديثة، اختارت الفنانة أنغام أن تفتح فصلًا جديدًا من تجربتها الموسيقية؛ إذ دشنت ألبومها الجديد «دي روحي» في ليلة استثنائية احتضنها مسرح عبادي الجوهر أرينا، ضمن فعاليات موسم جدة وبرعاية الهيئة العامة للترفيه، وسط حضور جماهيري كامل العدد.
لم يكن الحفل مجرد موعد غنائي لتقديم ألبوم جديد، بل بدا أقرب إلى احتفاء بتجربة فنية راكمت حضورها عبر عقود؛ فقد تنقلت أنغام بين الأغنيات الجديدة والأعمال التي صنعت جزءًا من الذاكرة العاطفية لجمهورها، في مشهد كشف كيف تستطيع الأغنية أن تعبر الزمن، وأن تستعيد علاقتها بالمستمع كلما عادت إلى المسرح بصوت مختلف وذاكرة جديدة.
وقدمت أنغام أغنيات ألبومها «دي روحي» أمام الجمهور للمرة الأولى، في تجربة جمعت بين خصوصية الأغنية وتفاصيل العرض الحي، فيما رحبت بصناع الألبوم المشاركين في الحفل، وقدمتهم إلى جمهورها، في لفتة بدت بمثابة اعتراف بأن الأغنية الحديثة ليست صوت المطرب وحده، وإنما حصيلة تعاون بين شاعر وملحن وموزع وموسيقيين وصناع للصورة والإنتاج.
وفي حديثها مع جمهور جدة، عكست أنغام خصوصية اللحظة التي تلتقي فيها الأغنية الجديدة بجمهورها للمرة الأولى، في اختبار مختلف عن الاستوديو؛ فالمسرح، بالنسبة إلى الفنان، لا يكتفي بتقديم العمل، وإنما يكشف أثره الحقيقي في المتلقي.
وأضفت أنغام على الأمسية مساحة من العفوية، حين بادرت إحدى الحاضرات إلى غناء مقطع من إحدى أغنياتها القديمة، لتتفاعل معها أنغام وتكمل الأغنية من فوق المسرح، قبل أن تقول ضاحكة إن الأغنية يعود عمرها إلى أكثر من عشرين عامًا وإنها نسيتها، واعدة جمهورها بأن تقدمها في الحفل المقبل. وفي هذه اللحظة العابرة بدا واضحًا أن العلاقة بين أنغام وجمهورها لا تقوم فقط على الأغنيات الجديدة، بل على أرشيف طويل من الأغاني التي تحولت مع مرور السنوات إلى جزء من الذاكرة الشخصية للمستمعين.
وعلى امتداد أكثر من ساعتين، صنعت أنغام مسارًا غنائيًا جمع بين حاضرها الفني وأرشيفها الموسيقي، متنقلة بين أغنيات «دي روحي» وعدد من أبرز أعمالها التي رافقت الجمهور على مدى سنوات، وسط تفاعل لافت مع كل محطة، بما أكد أن نجاح الحفل لم يكن مرتبطًا بجِدّة الألبوم وحدها، وإنما بقدرة الفنانة على إعادة تقديم تجربتها القديمة والجديدة داخل سياق واحد.
وأسهمت شركة بنش مارك في بناء الصورة البصرية للحفل من خلال إنتاج مسرحي متكامل، وظّف الإضاءة والشاشات والتقنيات الحديثة في خدمة الأغنية، بحيث لم تكن الصورة عنصرًا منفصلًا عن الموسيقى، بل امتدادًا لها ومكوّنًا من مكونات التجربة التي عاشها الجمهور داخل القاعة.
وبين الأغنية والصورة، وبين ذاكرة الجمهور واكتشافه لأعمال جديدة، قدمت جدة ليلة غنائية بدت فيها أنغام وهي تعيد تعريف علاقتها بالمسرح؛ علاقة لا تقوم على استعراض الماضي، ولا على الاحتفاء بالجديد وحده، وإنما على تحويل مسيرتها الفنية إلى حوار حي مع جمهور يتغير، فيما تبقى الأغنية قادرة على الاحتفاظ بمكانها في الذاكرة.
ونُقلت تفاصيل الحفل مباشرة عبر قناة MBC مصر وقناة بنش مارك على «يوتيوب»، لتتجاوز ليلة تدشين الألبوم حدود القاعة، وتصل إلى جمهور أنغام داخل المملكة وخارجها، في امتداد رقمي جعل من جدة نقطة انطلاق جديدة لـ«دي روحي» إلى فضاء أوسع من المستمعين.
وهكذا لم تكن جدة في هذه الليلة مجرد مسرح لطرح ألبوم جديد، بل أصبحت جزءًا من حكايته؛ مدينةٌ احتضنت ولادة الأغنيات أمام جمهورها، لتنتقل «دي روحي» من فضاء التسجيل إلى فضاء الذاكرة الحية، حيث لا تكتمل الأغنية إلا حين تجد صوتها الآخر في الجمهور.
أنغام تدشن «دي روحي» من جدة.. حين تتحول الأغنية إلى ذاكرة حية
وائل العتيبي - جدة3 دقائق للقراءة




حجم الخط
