حين ارتبطت أغنية «هيجيلي موجوع» بطريق الملك في جدة، لم يكن تامر عاشور يتوقع أن يمنحها الجمهور السعودي ذاكرة مكانية تتجاوز حدود الأغنية نفسها. فالمغني المصري الذي يعود إلى جدة في 27 أغسطس المقبل، وجد أن إحدى أشهر أغنياته اكتسبت في المدينة حكاية خاصة، بعدما تحولت إلى رفيق يومي للقيادة، وإلى صوت حاضر في مقاطع جمهور الطريق.

وبرعاية الهيئة العامة للترفيه، وضمن فعاليات موسم جدة، يلتقي عاشور جمهوره على مسرح عبادي الجوهر أرينا، في ليلة غنائية منتظرة، يقدم خلالها مجموعة من أبرز أعماله، إلى جانب أغنيات من ألبومه الجديد «مراية الحب»، بمصاحبة الأوركسترا بقيادة المايسترو هاني فرحات.

غير أن الحفل المرتقب يستعيد علاقة بدأت قبل أن يلتقي عاشور بجمهوره على المسرح؛ علاقة صنعتها جدة من تلقاء نفسها. فقد أخذت مقاطع الجمهور وهو يستمع إلى «هيجيلي موجوع» أثناء القيادة على طريق الملك في الانتشار، حتى أصبح الطريق مرتبطًا بالأغنية في ذاكرة كثير من المتابعين.

واللافت أن عاشور نفسه فوجئ بهذه الظاهرة. فقد كشف أنه كان يسمع من جمهوره عبارة: «نسمع أغنيتك في طريق الملك»، قبل أن يكتشف حجم المقاطع المتداولة، ويدرك أن الأغنية وجدت لنفسها مساحة خاصة في المشهد اليومي لمدينة جدة.

ولم يقف الفنان متفرجًا على الظاهرة؛ إذ تفاعل معها وذهب إلى طريق الملك، في محاولة للاقتراب من المكان الذي ارتبط اسمه بأغنيته، فيما ظهرت لاحقًا لقطات للطريق على شاشات حفله في جدة أثناء أداء «هيجيلي موجوع»، لتنتقل الحكاية من الجمهور إلى المسرح.

وفي حديثه عن علاقته بالجمهور السعودي، لم يخفِ عاشور تقديره لجمهور جدة، مؤكدًا أن أهلها أسهموا في نجاح «هيجيلي موجوع»، كما وصف جمهور جدة بأنه «رائع جدًا وملهم»، واختصر تجربته معه في عبارة لافتة: «جمهور جدة مختلف».

وهذه العبارات تكتسب معناها بصورة أكبر عند النظر إلى قصة «طريق الملك»، إذ لم تكن العلاقة بين الأغنية والمكان جزءًا من خطة ترويجية معلنة، وإنما ولدت من تفاعل الجمهور نفسه. فالمستمعون لم يكتفوا بسماع الأغنية، بل وضعوها داخل سياق حياتهم اليومية، وربطوها بطريق يعرفه أهل جدة جيدًا، ثم نقلوا تلك اللحظة إلى منصات التواصل.

ومن هنا تحولت الأغنية تدريجيًا من عمل عاطفي إلى ذاكرة صوتية لمكان؛ وهي ظاهرة تكشف قدرة الجمهور على إعادة تشكيل معنى الأغنية ومنحها حياة جديدة خارج الاستوديو والمنصة.

ويأتي حفل 27 أغسطس ليضيف فصلًا جديدًا إلى هذه العلاقة، إذ يعود عاشور إلى المدينة التي احتفت بأغنياته، في لقاء يجمع أرشيفه الغنائي بأعماله الجديدة، وسط حضور الأوركسترا بقيادة هاني فرحات.

ولا تنفصل هذه الليلة عن المشهد الفني المتنامي في جدة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز المدن العربية احتضانًا للحفلات والتجارب الموسيقية، فيما تواصل «بنش مارك» تنظيم واستضافة مجموعة من أبرز الأسماء الفنية العربية والعالمية.

لكن قصة تامر عاشور مع جدة تظل مختلفة؛ فالفنان لم يكتفِ بأن يغني للمدينة، والمدينة لم تكتفِ بأن تستمع إليه. الجمهور أخذ أغنية من ألبوم، ووضعها على طريق، ثم أعادها إلى صاحبها بوصفها جزءًا من ذاكرة المكان.

ولهذا، عندما يعود تامر عاشور إلى جدة في 27 أغسطس، فإنه لا يعود إلى جمهور ينتظر أغنياته فحسب؛ بل إلى جمهور سبق أن صنع لإحدى أغنياته طريقًا.