يفتتح كتاب China Rx فكرته بعبارة صادمة: الصين قد تخضع خصمها من دون أن تطلق رصاصة واحدة؛ يكفي أن تقطع عنه الدواء. تختصر هذه العبارة أطروحة واحد من أهم الكتب التي تناولت أمن الدواء في العقد الأخير، وهو كتاب يستحق أن يقرأ في عالمنا العربي بعناية، لأننا نستورد الجزء الأكبر من أدويتنا ومكوناتها الأولية.

صدر الكتاب عام 2018 بعنوان كامل هو China Rx: Exposing the Risks of America’s Dependence on China for Medicine، وألفته الباحثة المتخصصة في سلامة الرعاية الصحية "روزماري غيبسون" بالاشتراك مع الاقتصادي في البنك الدولي "جاناردان براساد سينغ". وهو عمل استقصائي يتتبع كيف انتقلت صناعة الدواء، بهدوء وعلى مدى عقود، من الغرب إلى الصين، حتى أصبحت دولة واحدة تمسك بخيوط حساسة في حياة ملايين المرضى.

سر الكتاب يكمن في تمييز دقيق يغيب عن وعي الجمهور؛ فالدواء لا يبدأ من العلبة أو الصيدلية، بل من المادة الفعالة، وهي المركب الكيميائي الذي يصنع الأثر العلاجي الحقيقي داخل الجسم. وقد أصبحت الصين موردا مركزيا لكثير من هذه المواد الفعالة وموادها الأولية، ما يعني أن مصنع الدواء قد يكون في أمريكا أو أوروبا أو الهند، لكن قلب الدواء نفسه قد يكون صيني المنشأ، والعنوان على العلبة لا يكشف دائما هذا الطريق الطويل.

قبل عقود قليلة كانت الولايات المتحدة تصنع محليا أدوية أساسية مثل "البنسلين" و"فيتامين سي"، أما اليوم فقد تحولت أجزاء مهمة من سلسلة الإنتاج إلى الخارج، وأصبحت مكونات أدوية شائعة - كالمضادات الحيوية وأدوية الضغط ومضادات الاكتئاب وحبوب منع الحمل وبعض أدوية السرطان - مرتبطة بسلاسل توريد عابرة للحدود تلعب الصين فيها دورا محوريا.

يحذر الكتاب من خطرين متلازمين. الأول استراتيجي وأمني؛ فحين تعتمد دولة على خصم محتمل في سلعة لا غنى عنها كالدواء، فإنها تضع جزءا من أمنها الصحي في يده. والدواء ليس كأي سلعة؛ فالإنسان قد يؤجل شراء هاتف أو سيارة، لكنه لا يستطيع تأجيل مضاد حيوي حرج أو علاج للسرطان أو حقنة طارئة. ويضرب الكتاب مثالا مقلقا: لو وقع نزاع في بحر الصين الجنوبي وأصيب جنود أمريكيون، فقد يتلقون أدوية تعتمد في أصلها على خصمهم الجيوسياسي، فيتحول الدواء إلى ورقة ضغط صامتة بيد من يملك المادة الفعالة.

أما الخطر الثاني فيتعلق بالجودة والسلامة؛ فكلما طالت سلسلة الإمداد وتعقدت، صعب التفتيش والرقابة، وقد تكون المعايير أقل صرامة وتزور الوثائق. ومن أبرز الأمثلة التي يوثقها الكتاب أزمة "الهيبارين" المضاد للتخثر عام 2008، حين تسربت دفعات ملوثة إلى السوق الأمريكية وارتبطت بوفيات وإصابات خطيرة. فالتبعية الدوائية لا تهدد توفر العلاج فحسب، بل قد تهدد سلامته أيضا.

والقصة بدأت بأسعار منخفضة يصعب مقاومتها، فانجذبت إليها الشركات والحكومات، حتى عجزت المصانع الغربية والمحلية عن المنافسة فأغلقت خطوطها واحدا بعد آخر. وحين يغلق المصنع تختفي معه الخبرة والعمالة المدربة والموردون المحليون والقدرة على إعادة التشغيل، فيتحول قرار اقتصادي لتقليل التكلفة إلى اعتماد استراتيجي على مصدر واحد. وعندها يصبح العالم كله هشا أمام عطل أو قرار أو أزمة واحدة، وهو ما كشفته جائحة كورونا التي جاءت لتمنح أطروحة الكتاب قوة إضافية.

لا يكتفي الكتاب بالتشخيص، بل يقترح حلولا: شفافية أكبر في معرفة بلد منشأ المادة الفعالة، وتشديد التفتيش على الواردات والمكونات الحرجة، وإعادة بناء حد أدنى من التصنيع المحلي للأدوية الأساسية، وتكوين مخزون استراتيجي، وتنويع مصادر التوريد بحيث لا تكون "كل البيض في سلة واحدة". الهدف ليس الانعزال، بل بناء مرونة تحمي النظام الصحي وقت الأزمات.

والإنصاف يقتضي القول إن بعض النقاد رأوا في الكتاب نبرة تحذيرية حادة وربما مبالغا فيها في بعض المواضع، وإن قياس حجم التبعية بدقة ليس سهلا بسبب تعقيد سلاسل الإمداد وغموض بعض البيانات. لكن جوهر القلق - خطر تركز إنتاج الأدوية ومكوناتها في عدد محدود من الدول - أصبح اليوم محل اهتمام واسع، بل يكاد يكون من أبرز دروس ما بعد الجائحة.

وإذا كانت الولايات المتحدة، بكل قوتها الصناعية والعلمية والرقابية، تشعر بالقلق من اعتمادها الخارجي في الدواء، فما بالنا نحن في المنطقة العربية والخليج، حيث نستورد الجزء الأعظم من الأدوية والمواد الفعالة؟ فالأمن الدوائي ليس ترفا اقتصاديا، بل جزء من الأمن الوطني؛ والدولة التي لا تملك حدا أدنى من القدرة على تأمين أدويتها تظل معرضة لصدمات لا تتحكم فيها: أزمة سياسية، أو إغلاق ميناء، أو قرار تصدير من دولة أخرى.

ومن هنا تأتي أهمية توجه المملكة نحو توطين الصناعات الدوائية وتنويع الشركاء ضمن رؤية 2030، لا بوصفه مشروعا اقتصاديا فحسب، بل تحصينا لصحة المواطن وقت الأزمات. لكن التوطين الحقيقي لا يعني تعبئة العلب فقط، بل فهم السلسلة كاملة: المواد الأولية والوسائط والمادة الفعالة والتصنيع النهائي والتوزيع والرقابة. وكلما فهمنا أين تقع نقاط الضعف، استطعنا أن نبني سياسة دوائية أكثر ذكاء وواقعية.

ففي الختام عزيزي القارئ، الدواء قد يكون علاجا في يد الطبيب والصيدلي، لكنه قد يصبح سلاحا صامتا في يد من يملك سلاسله الأولى. ومن لا يفهم خريطة الدواء من الجذر إلى الصورة النهائية للمنتج، قد يكتشف متأخرا أن صحته معلقة بقرار يتخذ في مكان بعيد.

nabilalhakamy@