تهمة قديمة برأها العلم
عبدالمعين عيد الأغا4 دقائق للقراءةحجم الخط
في عالم الطب، قد تلاحق بعض العلاجات اتهامات تستمر لعقود طويلة، حتى بعد أن تظهر الحقائق العلمية، ومن أبرز هذه الاتهامات ما نسب إلى «هرمون النمو» المخصص لحالات قصر القامة عند الأطفال الذين يعانون من نقصانه، إذ تضمن الادعاء وجود صلة بين هرمون النمو والإصابة بسرطان الدم لدى الأطفال.
وبعد هذه المقدمة القصيرة فإن أكثر ما يدور في أذهان الجميع هو: من أين انطلقت هذه التهمة التي لازمت هرمون النمو؟
والحقيقة أن الربط بين هرمون النمو وسرطان الدم (اللوكيميا) يعتبر من أكثر المفاهيم الطبية الخاطئة، رغم أن الدراسات العلمية الحديثة والبيانات الطبية المتراكمة أثبتت عدم وجود أي علاقة نهائيا بين العلاج بهرمون النمو والإصابة بسرطان الدم لدى الأطفال، وأصل هذه القصة يعود إلى عقود مضت عندما سجلت حالات من سرطان الدم بين بعض الأطفال قصيري القامة الذين كانوا يتلقون العلاج بهرمون النمو في اليابان، فمع مرور الوقت انتشرت رواية مفادها أن هرمون النمو هو السبب المباشر في حدوث اللوكيميا، إلا أن التحليل العلمي الدقيق للوقائع أظهر أن هذه الفرضية لم تكن صحيحة، وأن هناك عوامل أخرى أكثر منطقية وتأثيرا كان ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسير تلك الحالات.
وتعود جذور هذه الحكاية إلى السنوات التي أعقبت كارثة القنبلة الذرية في هيروشيما وناجازاكي، حيث أظهرت المتابعات الصحية طويلة الأمد ارتفاع معدلات الإصابة ببعض أنواع السرطان وأمراض الدم بين الأشخاص الذين تعرضوا للإشعاعات الناتجة عن الانفجار النووي، وبعد نحو عقد من الزمن وما تلاه من سنوات رصدت حالات سرطان دم لدى بعض الأطفال الذين كانوا يتلقون هرمون النمو لعلاج قصر القامة، فتم الربط بين الأمرين بصورة متسرعة، ونسبت الإصابة إلى العلاج الهرموني بدلا من البحث في التأثيرات الإشعاعية والعوامل المرضية الأخرى المصاحبة، إلا أنه مع تطور الأبحاث اتضح أن هذا الاستنتاج لم يكن قائما على الأدلة العلمية وطب البراهين.
ومع توسع استخدام هرمون النمو في مختلف دول العالم، بدأت تتوفر قواعد بيانات ضخمة تضم عشرات الآلاف من المرضى الذين تلقوا العلاج لسنوات طويلة، وعندما تمت مراجعة هذه البيانات بصورة علمية، لم يجد الباحثون أي زيادة في معدلات الإصابة بسرطان الدم بين الأطفال الذين عولجوا بهرمون النمو مقارنة بأقرانهم من عامة السكان، خصوصا لدى الأطفال الذين لا يملكون عوامل خطورة معروفة للإصابة بالسرطان، كما أظهرت الدراسات اليابانية اللاحقة نفسها أن معدل اللوكيميا لدى مستخدمي هرمون النمو دون عوامل خطورة كان مشابها للمعدل الطبيعي في المجتمع.
والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هنا: لو كان هرمون النمو سببا مباشرا لسرطان الدم، فلماذا لم تظهر النتيجة نفسها لدى الأطفال الذين تلقوا العلاج ذاته في سائر دول العالم؟ ولماذا لم تسجل الدول المجاورة لليابان أو غيرها من الدول التي استخدمت هرمون النمو لعقود معدلات مرتفعة من اللوكيميا بين المرضى المعالجين؟
والواقع أن الدراسات الدولية الواسعة لم تؤكد وجود هذا الارتباط، وهو ما يضعف بشدة الفرضية القديمة التي حملت هرمون النمو مسؤولية الإصابة بالمرض، كما بينت مراجعات علمية صادرة عن جهات متخصصة في الغدد الصماء لدى الأطفال أن الأدلة المتوافرة لا تدعم وجود علاقة بين العلاج بهرمون النمو وبين حدوث السرطان أو اللوكيميا لدى الأطفال الأصحاء الذين يحتاجون إلى هذا العلاج لأسباب طبية واضحة، بل إن كثيرا من المرضى الذين عولجوا بهرمون النمو تمت متابعتهم لسنوات طويلة دون ظهور أي مخاطر للإصابة بالأورام مقارنة بالمجتمع العام.
ومن المهم هنا التأكيد على أن هرمون النمو ليس علاجا تجريبيا أو إجراء غير مثبت، بل هو علاج راسخ في الممارسة الطبية الحديثة، ويستند إلى مبادئ طب البراهين، وقد أسهم على مدى عقود في تحسين النمو والطول وجودة الحياة لدى الأطفال الذين يعانون من نقص هرمون النمو أو بعض الحالات الطبية المؤدية إلى قصر القامة، كما أن استخدامه يتم وفق معايير دقيقة وتحت إشراف طبي متخصص مع متابعة مستمرة لضمان تحقيق الفائدة العلاجية المرجوة بأعلى درجات الأمان.
خلاصة القول، إن تهمة التسبب في سرطان الدم التي لاحقت هرمون النمو لسنوات طويلة لم تصمد أمام الأدلة العلمية الحديثة، فالدراسات الموسعة والمتابعات طويلة الأمد أثبتت أن العلاج بهرمون النمو لا يسبب اللوكيميا لدى الأطفال الذين لا توجد لديهم عوامل خطورة أخرى، وأن ما تم تداوله لعقود كان نتيجة تفسير غير دقيق لبعض الملاحظات المبكرة التي أعيد تقييمها لاحقا بمنهجية علمية أكثر قوة، ولذلك يبقى هرمون النمو أحد العلاجات الآمنة والفعالة المعتمدة عالميا لعلاج الأطفال الذين يحتاجون إليه وفق التشخيص الطبي الصحيح.
