تستعيد المفردات الشعبية حضورها مع اشتداد حرارة الصيف، بوصفها جزءا من الذاكرة اللغوية التي صاغها الإنسان في الجزيرة العربية لوصف البيئة الصحراوية ومواسمها وظواهرها الطبيعية بدقة، ومن أبرزها عبارة «أشهب اللال» التي ارتبطت في الموروث الشعبي بأشد ساعات القيظ حرارة، حين تتوهج الرمال ويتمدد السراب في الأفق، في مشهدٍ ظل حاضرا في وجدان أهل الصحراء وأدبهم.

وتعد هذه العبارة من التعابير المتداولة في وسط الجزيرة العربية، ويقصد بها السراب الواضح الذي يظهر مع اشتداد الحرارة فوق الأرض المقفرة؛ فالـ(لال) هو السراب، أما (الأشهب) فهو لون يمتزج فيه البياض بالسواد، ولذلك يبدو السراب شديد الوضوح للعين المجردة، في صورة بصرية جسدت خصوصية البيئة الصحراوية.

ولم تكن هذه العبارة مجرد وصف لظاهرة طبيعية، بل تحولت إلى صورة أدبية استلهمها الشعراء، فجاءت رمزا لقسوة الصحراء وشدة القيظ، واستحضرها الشاعر فراج بن ريفة - رحمه الله - في وصف ناقته القادرة على اجتياز حر الصحراء، بقوله: يا الله وأنا طالبك حمرا هوى بالي، حمراء من الجيش طفاح جنايبها، لا روح الجيش حاديه أشهب اللالي، لا هي تورد وسيع صدر راكبها، واستلهمها الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن بن عبدالعزيز - رحمه الله -، بقوله: يا مورّد الهجن الضوامي الثميلة، لامن حداها القيض في أشهب اللال، أنت السفر والدرب وأنت الدليلة، وأنته أمان القوم لا صابها جفال.

ولم يقتصر حضور أشهب اللال على الشعر والموروث الشعبي، بل امتد إلى الفن المعاصر، حيث استلهم الفنان السعودي أحمد ماطر هذه المفردة في عمله الفني أشهب اللال، الذي يعمل على تنفيذه ضمن مشروع «وادي الفن» في محافظة العلا، مستندا إلى ظاهرة السراب بوصفها فكرة محورية تستكشف العلاقة بين الضوء والإدراك البصري والطبيعة الصحراوية.

ويقع العمل وسط التكوينات الصخرية في العلا، ويتكون من هيكل هندسي محفور في باطن الأرض يعتمد على الإضاءة الطبيعية ونظام دقيق من المرايا لمحاكاة ظاهرة السراب دون استخدام أي مصدر للطاقة. وقد أكد أحمد ماطر أن طبيعة العلا وتكويناتها الجيولوجية كانت مصدر الإلهام الرئيس لهذا العمل، لما تتميز به من مشهد طبيعي استثنائي ينسجم مع فكرة الضوء، حيث تنعكس تفاصيل البيئة المحيطة داخل العمل لتتشكل صورة سرابية متغيرة بتغير موقع الزائر وحركة الضوء.