كثيرا ما نقرأ ونسمع عن «فجوة المهارات» بين مخرجات الجامعات ومتطلبات سوق العمل، حتى أصبحت أقرب إلى الحقيقة المسلم بها وربما يراها البعض غير قابلة للنقاش. ولكن إذا توقفنا قليلا عند طبيعة الدراسات التي تستشهد بها الأوساط الاقتصادية، نجدها في الغالب تكتفي بإطلاق ادعاءات عامة عن «ضعف المهارات» دون أن تحدد بدقة نوع المهارات المطلوبة أو المفقودة، أو تقدم تحليلا موضوعيا عن الأسباب الكامنة وراء هذا الضعف المزعوم. فهذه التقارير، كتلك التي تتحدث عن كلفة في الفجوة تصل إلى 196 مليار ريال، تقدم أرقاما مثيرة للانتباه، لكنها تبقى في إطار العموميات التي تخلط بين المهارات التقنية والمهارات الناعمة، دون تقديم خرائط مهنية واضحة تحدد الاحتياجات الفعلية لكل قطاع.

ولعل من أبرز الأمثلة على تضخيم الأزمة، ذلك الادعاء المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي بأن 90% من أرباب العمل يرون أن الخريجين لا يملكون مهارات كافية، وهو رقم صادم يذكر دون أي مصدر أو منهجية بحث موثوقة، مما يضعه في دائرة الإشاعات الرقمية التي تفتقر إلى المصداقية. فلو كانت هذه النسبة حقيقية، لكانت مؤشرات التوظيف والاقتصاد تعكس أزمة حادة، لكن الواقع يظهر أن الاقتصاد يستمر في استقطاب الخريجين، وأن استطلاعات الرأي الجادة لا تخرج بمثل هذه النسب المتطرفة. إن تداول مثل هذا النوع من الأرقام المرعبة غير الموثقة لا يخدم سوى تضخيم خطاب العجز، ويلهي عن الحوار الجاد حول المهارات المحددة التي يحتاجها كل قطاع، ويعفي أصحاب العمل من مسؤوليتهم في تحديد احتياجاتهم بدقة، والاستثمار في تدريب الخريجين.

والحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن ذهن الجميع هي أن المؤسسات الأكاديمية صممت أساسا لإكساب الطلبة معارف تأسيسية، وتنمية مهارات التفكير النقدي والقدرة على التحليل، وليس لتخريج حرفيين يتقنون مهنا محددة تتغير أدواتها بوتيرة متسارعة. فمن غير المعقول أن نتوقع من جامعة أن تخرّج مهندسا يتقن استخدام أحدث برامج التصميم التي قد تتغير خلال سنة، أو محاسبا على دراية كاملة بآخر التعديلات في الأنظمة المحاسبية لشركة بعينها. الجامعات تمنح الطالب الأدوات المعرفية الأساسية، أما صقلها وتوظيفها في سياق مهني محدد فهما مسؤولية تقع على عاتق الجهة التي ستوظفه.

وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا يصر بعض أرباب العمل على تحميل الجامعات وحدها مسؤولية هذه الفجوة، بينما هم الأقدر على تحديد المهارات الدقيقة التي يحتاجونها بدقة؟ فبدلا من انتظار خريج جاهز، ينبغي لأصحاب العمل أن يستلهموا النموذج الذي تتبعه المؤسسات الكبرى، حيث يعتبر التدريب والتأهيل جزءا لا يتجزأ من استراتيجية التوظيف. ففي أرامكو السعودية، نجد «برنامج تطوير الخريجين» الذي يمتد لعامين، و»برنامج التدرج المهني» الذي يؤهل الخريجين للوظائف التشغيلية والإدارية. وكذلك الحال في شركة الاتصالات السعودية (STC) التي تستهدف «برنامج احتضان المواهب» من الخريجين الجدد بأنشطة تطويرية مكثفة تكسبهم مهارات نوعية في مجال عمل الشركة. كما أن القطاع العسكري يقدم نموذجا متقدما، حيث أطلقت وزارة الدفاع «برنامج فخور لتطوير مهارات الخريجين» و«برنامج الابتعاث العسكري الخارجي»، بينما أطلقت وزارة الداخلية بالتعاون مع أكاديمية طويق مسارات تدريبية في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

إن رغبة بعض أرباب العمل في استمرار الاعتماد على العمالة الوافدة الرخيصة كحل سريع هو ما يكرس هذه الفجوة ويحول دون بناء مسار مهني مستدام للسعوديين. فضعف الأجور وغياب فرص التطور يؤديان إلى تسرب السعودي، حيث تشير تقديرات إلى أن نسبة التسرب من القطاع الخاص تتجاوز 30%، وأغلب حالات التسرب تحدث في الشهور الثلاثة الأولى من التوظيف. وهذا التسرب يستخدم بدوره كذريعة لاستقدام عمالة وافدة بدلا من معالجة جذور المشكلة.

خلاصة القول، إن فجوة المهارات ليست أزمة حتمية، بل هي تحد قابل للحل بشرط إعادة توزيع المسؤوليات بوضوح. فالمبالغة في تضخيم الأزمة بأرقام غير موثوقة، لا تخدم إلا خطاب العجز والتبرير، بينما الحقيقة أن للجامعات دورها المعرفي في بناء العقل النقدي، ولأرباب العمل دورهم في التدريب والتأهيل وفق احتياجاتهم الفعلية، وللخريج دوره في المبادرة والتطوير الذاتي. وعندما يتحمل كل طرف مسؤوليته بإخلاص، وتستبدل التبريرات الواهية باستثمار حقيقي في الكوادر الوطنية، تسد الفجوة ويبنى سوق عمل أكثر كفاءة واستدامة، تزدهر فيه الكفاءات الوطنية وتصان فيه مكتسبات التنمية دون حاجة إلى عمالة خارجية تحل محل الكوادر الوطنية.