قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي يبدو أقرب إلى مستقبل بعيد، لكن المستقبل لم ينتظر طويلا؛ فالذكاء الاصطناعي أصبح اليوم حاضرا في الشركات، وفي طرق البحث والتواصل، وفي تفاصيل يوم العمل.

وهنا يأتي السؤال: هل نحن أمام تقنية تساعد الإنسان على أداء عمله بصورة أفضل، أم أمام تحول سيعيد تشكيل مفهوم العمل نفسه؟

الأرقام تقول إن التغيير لم يعد افتراضا. فبحسب مسح ماكينزي العالمي لعام 2025، أفاد 88% من المشاركين بأن مؤسساتهم تستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة منتظمة في وظيفة واحدة على الأقل، رغم أن كثيرا منها لم يصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الواسع الذي يغير نموذج العمل بصورة كاملة.

وهنا تكمن إحدى مفارقات عالم الأعمال اليوم: الجميع تقريبا يريد الذكاء الاصطناعي، لكن السؤال الأصعب هو: ماذا سنفعل به بعد أن نحصل عليه؟ فامتلاك التقنية وحده لا يصنع مؤسسة ناجحة. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تعرف المؤسسة أين تستخدمها، وما المشكلة التي تريد حلها، وكيف تجعلها جزءا من منظومة العمل لا مجرد أداة إضافية.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع إنجاز الأعمال المتكررة، وتحليل البيانات، وتحسين خدمة العملاء، ومنح الموظف وقتا أكبر للتفكير والإبداع. لكن الوجه الآخر لهذه الكفاءة يثير قلقا مشروعا: إذا كانت الآلة تستطيع إنجاز جزء من عملي، فهل سيأتي يوم تنجز فيه العمل كله؟

صندوق النقد الدولي يشير إلى أن نحو 40% من الوظائف عالميا معرضة بدرجات متفاوتة للتغيير بفعل الذكاء الاصطناعي. لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء الوظيفة؛ فقد يعني أتمتة بعض مهامها، مقابل ازدياد أهمية مهام أخرى يؤديها الإنسان.

فالذكاء الاصطناعي قد لا يلغي المحاسب أو الطبيب أو المهندس أو المسوق، لكنه سيغير الأدوات التي يستخدمونها، وطبيعة مهامهم، والقيمة المتوقعة منهم.

وبالتالي، قد لا تكون الوظائف هي التي تختفي بقدر ما تختفي بعض المهام داخل الوظائف. وهنا تصبح القضية الحقيقية في مدى استعداد الإنسان للتغير. فالموظف الذي لا يطور مهاراته قد يجد نفسه ينافس شخصا لا يعمل أكثر منه، لكنه يعرف كيف يستخدم التقنية ليعمل بصورة أسرع وأفضل.

وتزداد أهمية ذلك في المملكة؛ إذ يشير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد إلى أن نسبة الموظفين الذين أفادوا باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل بصورة منتظمة أو شبه منتظمة تجاوزت 80% في السعودية خلال 2025. لكن كثرة الاستخدام لا تعني بالضرورة جودة الاستخدام.

فالقيمة الحقيقية لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز مهمة أسرع فقط، بل في توظيفه لتحسين القرار، وتطوير الخدمة، وخفض التكلفة، ورفع جودة تجربة العميل، واكتشاف فرص جديدة. وهنا يظهر الفرق بين مؤسسة تستخدم الذكاء الاصطناعي، ومؤسسة تعرف لماذا تستخدمه.

أما سوق العمل، فمن الطبيعي أن يشهد تحولات واسعة. ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي، نتيجة مجموعة من التحولات التقنية والاقتصادية والديموغرافية، ظهور نحو 170 مليون وظيفة جديدة عالميا بحلول 2030، مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة، بصافي زيادة يقارب 78 مليون وظيفة. لكن هذه الأرقام لا ينبغي أن تمنحنا طمأنينة سهلة؛ فالموظف الذي يفقد وظيفته اليوم لن يستفيد تلقائيا من وظيفة جديدة غدا إذا كانت تتطلب مهارات لا يمتلكها.

ولهذا قد يكون أهم استثمار في عصر الذكاء الاصطناعي ليس شراء المزيد من الأنظمة، وإنما إعادة بناء المهارات البشرية. فنحن بحاجة إلى موظف يعرف التقنية، ويعرف أيضا كيف يراجع نتائجها، ومتى لا يعتمد عليها، ولا يتنازل لها عن حكمه المهني. وهنا تزداد قيمة التفكير النقدي، والإبداع، والتواصل، والذكاء العاطفي، والقيادة.

فالآلة قد تمنحنا مئة إجابة، لكنها لا تضمن أن نعرف أيها الأنسب، وقد تحلل آلاف البيانات، لكنها لا تتحمل مسؤولية القرار بدلا منا. لذلك، ربما لا يكون ما ينبغي أن يقلقنا هو الذكاء الاصطناعي نفسه، بل أن تتغير بيئة العمل بينما نبقى نحن بالمهارات والعقليات ذاتها. فالذكاء الاصطناعي أداة شديدة القوة، والفارق سيظل في طريقة استخدامها والاستعداد لما تفرضه من تحول.

وربما لن يكون السؤال في المستقبل: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بعملي؟ بل: ما القيمة التي أستطيع أنا أن أضيفها عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا طبيعيا من العمل؟

hananabid10@