لا يمكن القول إن النظام الإيراني نسخة من الاتحاد السوفييتي؛ فالفارق بين ولاية الفقيه والماركسية اللينينية كبير في اللغة والمرجعية والتاريخ. لكن التشابه الأعمق لا يظهر في العقيدة السياسية والشعارات، بل في هندسة السلطة. في الحالتين توجد دولة بمؤسسات رسمية: رئيس، حكومة، برلمان، انتخابات، قضاء، ومجالس عليا. لكن فوق هذه المؤسسات يقف مركز أيديولوجي أعلى، يحدد حدود السياسة، ويفرز النخبة، ويمتلك حق تفسير الشرعية.

هذه هي الفكرة السوفييتية التي وجدت صداها في طهران بعد ثورة 1979: لا تلغى المؤسسات، بل تفرغ من قدرتها على تجاوز العقيدة المؤسسة. في الاتحاد السوفييتي، نص دستور 1977 على أن الحزب الشيوعي هو القوة القائدة والموجهة (الأب) للمجتمع ونواة النظام السياسي، وأنه يحدد مسار السياسة الداخلية والخارجية. لم يكن الحزب مجرد تنظيم سياسي داخل الدولة، بل كان مركز الدولة الفعلي، والمرجع الأعلى فوق البرلمان والحكومة وأجهزة الإدارة في إيران، جاءت الصيغة مختلفة، لكنها تعمل بمنطق مشابه. الدستور يعطي الرئيس والحكومة والبرلمان أدوارا واضحة، لكنه يضع فوقها منصب القيادة.

فصلاحيات المرشد تشمل رسم السياسات العامة للنظام، الإشراف على تنفيذها، قيادة القوات المسلحة، إعلان الحرب والسلم، وتعيين مواقع حساسة مثل فقهاء مجلس صيانة الدستور، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس الإذاعة والتلفزيون، وقائد الحرس الثوري.

هنا تظهر الفكرة المركزية: في موسكو كان الحزب فوق الدولة، وفي طهران تقف القيادة والمؤسسات الحارسة فوق الدولة المنتخبة. البرلمان يستطيع أن يشرع، لكن تشريعاته تمر عبر مجلس صيانة الدستور. والرئيس يستطيع أن يدير، لكنه لا يستطيع إعادة تعريف اتجاه النظام. والانتخابات تجرى، لكنها لا تملك وحدها سلطة فتح الباب أمام بديل سياسي خارج العقيدة المؤسسة.

مجلس صيانة الدستور يؤدي في إيران وظيفة شبيهة، من حيث المنطق لا من حيث التركيب، بوظيفة أجهزة الحزب في النظام السوفييتي. فهو يراجع القوانين لضمان توافقها مع الإسلام والدستور، ويمتلك سلطة تفسير الدستور، ويشرف على انتخابات مجلس الخبراء والرئاسة والبرلمان والاستفتاءات. كما أن مجلس الشورى لا يملك وضعا قانونيا كاملا من دون وجود مجلس صيانة الدستور.

لكن التشابه لا يقف عند مجلس صيانة الدستور. فمجلس الخبراء، نظريا، هو المؤسسة التي تختار المرشد وتراقبه. وفي البنية السوفييتية كان هناك منطق شبيه في العلاقة بين اللجنة المركزية والمكتب السياسي: مؤسسة أوسع تمنح الغطاء الشرعي، ومركز أضيق يمارس القرار الفعلي. اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي كانت رسميا أعلى هيئة بين مؤتمرات الحزب، لكنها عمليا أفرزت من داخلها المكتب السياسي والسكرتارية، وهما مركزا السلطة الفعلية في إدارة القرار اليومي والاتجاه السياسي العام. وتشير مراجع عن الحزب الشيوعي السوفييتي إلى أن المكتب السياسي والسكرتارية كانا المركزين الحقيقيين للسلطة النهائية، رغم أن عضويتهما كانت اسميا مرتبطة باللجنة المركزية.

بهذا المعنى، يشبه مجلس الخبراء اللجنة المركزية من زاوية الوظيفة الرمزية: مؤسسة عليا تمنح الشرعية وتبدو مسؤولة عن مراقبة القمة. لكنه في الواقع يتحرك داخل سقف النظام نفسه، لا خارجه. فحتى المؤسسة التي تختار المرشد لا تعمل في فضاء سياسي مفتوح، لأن انتخابات مجلس الخبراء نفسها تخضع لإشراف مجلس صيانة الدستور. هنا تصبح الرقابة دائرية: مؤسسة تراقب القمة، لكن الدخول إليها يمر عبر مؤسسة مرتبطة ببنية القمة.

أما مجمع تشخيص مصلحة النظام فيمثل حلقة أخرى في هذا البناء. فقد أدخل دستوريا ليحسم الخلافات بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور، ويتعامل مع القضايا التي تحال إليه من المرشد، كما أن تحديد السياسات العامة يتم بعد التشاور معه.

وفي التحليل السياسي المعاصر، ينظر إليه أيضا كأداة إضافية يستطيع من خلالها المرشد إدارة التوازن بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور والحكومة وظيفيا، يقترب مجمع تشخيص مصلحة النظام من دور المكتب السياسي أو لجان الحزب العليا في التجربة السوفييتية: ليس برلمانا منتخبا، وليس حكومة تنفيذية، لكنه مساحة عليا لتسوية الخلافات داخل النظام، وترتيب الأولويات، وضبط القرار عندما تعجز المؤسسات الرسمية عن إنتاج نتيجة مقبولة لمركز السلطة. إنه ليس بديلا عن الدولة، بل آلية فوق الدولة المنتخبة لضمان ألا تنفلت الدولة من العقيدة.

في الاتحاد السوفييتي، كانت السيطرة على النخبة تمر عبر الحزب ونظام (النومنكلاتورا)، أي قوائم المناصب الحساسة التي يوافق الحزب على شاغليها. وقد وصف هذا النظام بأنه أداة مركزية للسيطرة الحزبية على المواقع القيادية في الدولة والاقتصاد والمجتمع.

في إيران، لا توجد نومنكلاتورا سوفييتية بالاسم، لكن توجد آلية مشابهة في الجوهر: قبول المرشحين، تعيين المواقع الحساسة، ضبط الأجهزة الأمنية والإعلامية والقضائية، وإبقاء مسار الصعود السياسي داخل شبكة ولاء أيديولوجي ومؤسسي.

الفارق أن الاتحاد السوفييتي كان دولة حزب واحد واقتصاد قيادة شاملا، بينما إيران جمهورية دينية ذات اقتصاد مختلط وتنافس داخلي محدود بين محافظين وإصلاحيين وبراغماتيين. لكن التشابه يبقى واضحا في منطق السلطة: مؤسسات منتخبة تعمل داخل قفص أيديولوجي، وحارس أعلى يحدد معنى الثورة، ومجالس عليا تضبط العلاقة بين النص الدستوري والقرار السياسي.

من موسكو إلى طهران، تغيرت العقيدة وتغيرت الرموز، لكن بقيت الفكرة: لا يكفي أن يصوت الناس، بل يجب أن يصوتوا داخل حدود يضعها الحارس. ولا يكفي أن يوجد برلمان، بل يجب أن يبقى التشريع تحت رقابة العقيدة. ولا يكفي أن توجد حكومة، بل يجب أن تتذكر دائما أن السيادة النهائية ليست في يدها. هنا تحديدا يظهر ميراث الدولة السوفييتية في طهران: دولة بواجهة انتخابية، وعمق أيديولوجي يحتكر تفسير الشرعية.

mr_alshammeri@