كلمات المثقفين.. المصطلح هو الفكرة!
عبدالحليم البراك3 دقائق للقراءةحجم الخط
كأن كلمات بعض المثقفين أو كتابتهم هي تحدي كلمات، أما المعنى فإنه مكرر وتقليدي، هذا هو حال بعض المثقفين الذين ينتخبون الكلمات انتخابا، أما ما يخص مفهوم الكلام فإنه في أحسن الحالات عادي أو تقليدي أو أنه لا جديد يذكر ولا قديم - حتى - يعاد، ولا تعدو الفكرة سوى مقال جديد؛ استخدم فيه المتحدث كلمات جديدة. إن إقحام «كانط» و«هايدجر» في نظر البعض هو المقال أكثر من معنى المقال نفسه، ومن سيقرأ وراءك إن كان هايدجر قالها أم لا وإن كان قال ما استشهد به في الكينونة والزمان أم لا، ومن سيتتبع إن كان كانط قال أو أنه وراء فكرتك في نقد العقل الخالص الذي لا يقرؤه إلا المتخصصون ولا يفهمه إلا نخبة المتخصصين! والأدهى من ذلك أن يقول هذا هو معنى أحدهما، فهنا لا مرجع إلا مفهوم كلامهما وعليك عزيزي القارئ البحث والتنقيب.
«فالإبستمولوجيا» في استخدامات بعض المثقفين ليست هي المعرفة وفلسفتها، بل هي كلمة عابرة. تستخدم من أجل تعريف كل شيء وأي شيء، سواء كان مصدرا للمعرفة أو مصدرا للأخبار العابرة، كما يشير إلى أي آراء متباينة بأنها «إشكالية»، وأي حوار بين اثنين هو «مقاربة» وإن كان ثمة انتقاد في هذا الحوار فهو «مقاربة نقدية». وإن كان ثمة فكرة عادية فإنها «اشتغال مفاهيمي» حتى لو لم يكن هناك أي فكرة، أما وصف أي حالة وقعت عرضا فهي قضية «وجودية» حتى لو لم يكن سارتر نفسه يعرف ذلك!
فكل شيء مصطلح، وكل مصطلح قضية، وكل قضية تحتاج إلى مفكر يشرح لنا لماذا هي كذلك! أما محاولات نقد النصوص فهي محاولات «تفكيكية» تارة وممارسات «تحليلية» تارة أخرى. برغم أنه بسيط وكأن رغبة المثقف هي تعقيد المبسط وتبسيط المعقد؛ يتم استخدام هذه المصطلحات في موضعها تارة وفي غير موضعها تارات أخرى بتسطيح غريب، أما إعادة المكرر من الكلام فهو «إعادة إنتاج» وإن أراد استخدام مصطلحات السوق، فإنه يقول عنه «إعادة تدوير»! وكأن شعور المثقف بالأسى لأي فكرة هو «حزن مؤجل» وإن لم يتم إقحام اقتباس لمفكري القرن التاسع عشر، فإن المقال سطحي ولا قيمة له، حتى ولو كان يحترف التنبؤ المحترف في واقعنا المعاصر، ولا بأس بالاستشهاد بفيلسوف يظن بعض المثقفين - جهلا - أن اسمه أقل شهرة وأكثر جاذبية، مثل «سلافوي جيجك»، حتى يصبح المثقف أكثر رقيا وفي صف المفكرين المميزين.
أما ما يمكن الإشارة إليه استخدام الجمل المركبة، سواء احتوت على مصطلحات المفكرين أو لم تحتو، فإن المثقف - أحيانا - يعبث بالمعنى، والهدف من الجمل المركبة ليس تبسيط المعنى بل إدخال القارئ متاهة المثقف الخاصة، حتى يعتقد القارئ أنه يتضاءل أمام عمق الكاتب فيتهم نفسه بالسذاجة.
وعندما نشير إلى هذه الأمثلة؛ فإننا ندعو لإضافة المعنى للكلام، وأعني بإضافة المعنى أن يكون جديدا أو إضافة تحليلية أو وصفية، وأن لعبة المصطلحات، مهما بدت ثقافية وعميقة، لا تقدم إضافة بحد ذاتها، وإنما تشعرك بقوة الحديث ولا تشعرك بحداثة الفكرة، لربما جاءنا مثل علي الوردي (1913-1995) رحمه الله - ومثله كثير - وهو ببساطته المعهودة وعمق المعنى قد بقيت معنا أفكاره حتى هذه اللحظة. وهذا لا يعني عدم وجود مفكرين ذوي عمق أصيل وإضافة حقيقية للثقافة العربية والفلسفة المعاصرة يستخدمون هذه المصطلحات في مكانها، وهم وما يكتبون إضافة حقيقية. إن المشكلة ليست في المصطلح حين يخدم الفكرة، وإنما حين يصبح: المصطلح هو الفكرة.
Halemalbaarrak@
