حينما يحكم الغياب على الحاضر والواقع
شاهر النهاري3 دقائق للقراءةحجم الخط
في السياسة قد يغيب الحاكم ساعات، وقد يغيب أياما إذا اقتضت ظروف السياسة والحرب وعوامل الأمن ذلك، لكن أن يتحول الغياب إلى حالة سياسية دائمة، وأن تصبح الرواية الرسمية المتبارية بالخفاء والإخفاء هي الدليل الوحيد على وجود رأس الدولة التي تمر بأعسر أيامها، فهنا لا يعود السؤال: أين الحاكم؟ بل كيف يمكن أن تدار دولة بفكرة وحيطة ومعتقد، يرسم صنما ومزارا؟
منذ أن تولى مجتبى خامنئي زمام القيادة بعد مقتل والده، والعالم يبحث عن ربط منطقي طبيعي يؤكد حضوره، كما يفعل أي قائد في دولة تواجه أخطر مراحل تاريخها.
ليست القضية صورة تذكارية، ولا خطابا احتفاليا، وإنما الحد الأدنى الذي تقتنع به الشعوب بأن من يتخذ القرار موجود فعلا، يسمع ويرى ويتابع ويحلل ويختار ويقرر.
وفي الحالة الإيرانية، كلما امتد الزمن ازداد عجاج الغموض، واتسعت زوايا التخمين، وأصبحت الشائعات أسرع من البيانات، وأقوى حضورا من الوقائع.
ولعل ما زاد المشهد التباسا قبل يومين نشر وكالات إعلامية إيرانية لمقطع مصور غير موثوق التاريخ، يظهر فيه مجتبى مع بعض تلاميذه في مجلس صغير.
مقطع، بدل أن يبدد الشكوك، زاد الحيرة غموضا، وبدا أقرب إلى محاولة ترقيع إعلامية منه إلى دليل حقيقي على وجود قائد يمسك بزمام دولة تتأرجح على حافة هاوية صراعاتها.
منتهى العجب، فلماذا تترك دولة بحجم إيران أسيرة لهذا الفراغ المولد للغموض؟ ولماذا يطلب من العالم أن يصدق وجود أعلى سلطة في البلاد بمجرد رواية رثة!
العجيب أن هذا المشهد لا يبدو صادما داخل بنية النظام الإيراني، بل يكاد ينسجم مع ثقافة قديمة سياسية عن غياب الولي، اعتادت أن تمنح الغيب مساحات أوهام تنافس الواقع، وتجعل الإيمان بالرواية يتغلب أحيانا على الحاجة إلى صدق البراهين.
والأغرب من ذلك استمرار مؤسسات الدولة في العمل والترقيع والتعمية، وأن السلطة قد تصبح فكرة وشعوذة أكثر منها للممارسة المرئية المؤكدة.
الدول الحديثة تقوم على الشفافية، والغموض يولد الفراغ، ويشجع مراكز القوى على التنافس والتفرد، ومزاولة الحديث باسم القائد المغيب.
وعندها لا يعود أحد يعرف أين يبدأ القرار، ولا أين ينتهي.
وقضية غياب مجتبى خامنئي تعد استكمالا للنموذج الأسطوري الفارسي، يعيش طويلا ودون حضور علني للولي الغائب، والكارثة أن الشعب وأطراف العالم مطالبون بالثقة بما يقال، لا بما يمكن التحقق منه.
ما يجري في إيران اليوم ليس لغزا فريدا لمن يقرأ تاريخ وعقيدة هذا النظام، بل هو امتداد لثقافة حجب سياسي يستعلي على كل منطق.
والتاريخ يعلمنا أيضا أن السلطة التي تركن في الضباب طويلا، قد تبدو متماسكة لوهلة، لكنها من الداخل تعاني خفاء وضعفا وشتاتا تستجلب الصراعات لمراكز القوى.
فكم من الوقت تستطيع أي دولة أن تدار بأسمال رواية رثة، وحتى متى يظل الشعب مغيبا عن معرفة الحقيقة؟
ختاما، ألا يحق لنا أن نعجب، وأن نقول إن أوراق الخداع والوهم والغموض الفارسي تمكنت واقعا من تعجيز حيل وتقنيات وأسلحة وطموحات إسرائيل، تلك التي تنطلق من فوق أكتاف رئيس أكبر دولة على وجه الأرض، وبدعمه المباشر!
shaheralnahari@
