هل تملي شركات التأمين على الطبيب طريقة الممارسة الطبية؟
مروان عبدالرحمن أبوعمه7 دقائق للقراءةحجم الخط
يمكن تعريف الموافقات المسبقة في التأمين الصحي بالإذن الذي تصدره شركة التأمين للمنشأة الصحية قبل تقديم الخدمة الطبية، سواء كانت عملية جراحية أو إعطاء دواء أو إجراء علاجيا بسيطا. تهدف الموافقات المسبقة لشركات التأمين الصحي على الممارسات الطبية إلى تقنين وضبط التكاليف، والتأكد من الضرورة الطبية، وتقليل المخاطر المحتملة من الممارسات الطبية المتعارضة التي قد تضر المستفيد من الخدمة الصحية.
تقررت هذه الموافقات المسبقة للمرة الأولى في شركات التأمين الصحي في الولايات المتحدة بسبب ارتفاع تكاليف التشخيص والعلاج، وخصوصا في ما يتعلق برسوم التصوير بجهاز التصوير المقطعي وجهاز الرنين المغناطيسي. وكذلك لضبط تكاليف العمليات الجراحية والإقامة في المستشفى. بالإضافة إلى ما يتعلق بصرف الأجهزة الطبية المتخصصة لبعض المرضى. وسرعان ما اعتمدت الموافقات المسبقة في كثير من الممارسات الطبية، مما أدى إلى خلل في الخدمة الصحية المقدمة للمرضى.
ومن ثم ظهرت بعض محاولات حل هذه الخلال من وجهة نظر مؤسسية أسهمت في المحافظة على مكتسبات شركات التأمين دون حل حقيقي يؤدي لحصول المستفيد على الخدمة الصحية المطلوبة في وقتها.
استنتجت دراسة منهجية نشرت أوائل هذا العام في American Journal of Medicine، عن تأثير الموافقات المسبقة على العناية الصحية المقدمة في عدة تخصصات طبية، أن متطلبات الموافقة المسبقة ترتبط بأضرار ملموسة على المرضى في مختلف مجالات الرعاية الصحية، ابتداء من تأخر تقديم الرعاية الصحية إلى تفاقم المرض، وازدياد حالات دخول المستشفى، كان بالإمكان الوقاية والاستغناء عنها بتقديم الرعاية في وقتها، وانخفاض معدلات البقاء على قيد الحياة دون وجود مرض.
كما أشارت الجمعية الطبية الأمريكية (AMA) في استطلاع نشر قبل عدة أشهر إلى أن الإجراءات الإدارية المرتبطة بالموافقات المسبقة تجبر العديد من المرضى على التخلي عن الرعاية الموصوفة لهم تماما. وأفاد 95% من الأطباء بأن عملية الحصول على الموافقة المسبقة تتسبب في تأخيرات كبيرة في الحصول على الرعاية الضرورية القائمة على الأدلة. وأفاد 80% من الأطباء بأن المعاناة البيروقراطية تدفع المرضى مباشرة إلى التخلي عن خطط العلاج الموصى بها. وذكر 26% من الأطباء أن تأخيرات الموافقات المسبقة أدت إلى حدوث مضاعفات خطيرة لمريض تحت رعايتهم، بما في ذلك إعاقات دائمة أو التنويم في المستشفى أو الوفاة.
ولا يقتصر الضرر على النتائج الإكلينيكية بحسب ورقة بحثية صدرت من بضع سنوات من جامعة سياتل، بل يمتد ليشمل الكفاءة العامة لنظام الرعاية الصحية. تمثل ذلك في صورة عبء إداري وصف بأنه مرتفع لدى 88% من الأطباء. كما يقضي الأطباء ما معدله 12 ساعة أسبوعيا في إنجاز المعاملات الورقية، مما يساهم في زيادة الإرهاق لديهم، وهدر طبي غير ضروري بدلا من توفير التكاليف، وربما يؤدي إلى الاحتراق الوظيفي بسبب تشتت الأطباء عن الهدف الأساسي من الممارسة الطبية وانشغالهم بمتابعة الموافقات التأمينية.
أما في طب وجراحة العيون، فلا توجد دراسة وطنية تحدد مدى تأثر الممارسة الإكلينيكية بنظام الموافقة المسبقة، بيد أن دراسات أمريكية على مرضى في حاجة إلى حقن العين لعلاج اعتلال الشبكية السكري وجلطات العين والضمور البقعي أوضحت نسب موافقات تصل إلى 96% لأمراض قد تؤدي لفقدان غير قابل للاسترداد للبصر. ولكن تأخر الموافقات المسبقة تسبب في تعطيل كبير في صرف هذه العلاجات على نحو يؤثر في النتيجة المرجوة لنحو 60% من المرضى. بالإضافة إلى ذلك، شكلت الموافقات المسبقة لعمليات إزالة عتامة العدسة (الماء الأبيض) تحديا كبيرا للأطباء بارتفاع قائمة الانتظار، مما أدى إلى تأخر العملية وما يتبعه من زيادة تعرض المرضى للوقوع أرضا وكسور العظام الناتجة، وربما حوادث المرور بسبب العجز البصري. أما فيما يتعلق بالتهابات العنبية والجسم الهدبي، فمن المعروف أن بعض المرضى يتعين عليهم استعمال بعض الأدوية البيولوجية ذات السعر المرتفع جدا والتي - بسبب حداثتها - ليست مدرجة كعلاج معروف للاتهاب. بل أوضحت دراسة أن متوسط مدة الانتظار للحصول على موافقة للبدء هذا النوع من العلاج بلغ 41 يوما، والذي يعتبر مدة طويلة تتسبب في استفحال الالتهاب العنبي وحدوث ضرر وفقدان غير مسترد للبصر.
كما أدرجت شركات التأمين نظام العلاج المتدرج (Step Therapy)، وهو نظام حيث تلزم شركة التأمين بتجربة أدوية أو طرق علاج بديلة قديمة وأقل تكلفة وربما أقل فعالية، ثم إثبات عدم فعاليتها أو تسببها في أعراض جانبية قبل أن توافق الشركة على تغطية تكاليف الدواء أو طريقة العلاج الأكثر حداثة والأغلى سعرا، الذي وصفه الطبيب بدءا. وفي الولايات المتحدة يساعد هذا النظام في توجيه شركات التأمين للمرضى باستخدام أدوية جنيسة (generic) عالية الفعالية ولكن أقل كلفة، أو أدوية تم التفاوض مع الشركات المصنعة على خصومات كبيرة عند استخدامها بهدف تقليل التكلفة. قد تؤدي هذه الممارسة إلى تأخير العلاج الفعال لأسابيع أو شهور في بعض الحالات، كما أنها تؤثر في بعض الأحيان بشكل سلبي على العلاقة بين المريض والطبيب المعالج.
ولأن بعض أمراض القرنية والشبكية قد تتطور وتتفاقم سريعا، فالتأخر في إعطاء العلاج المناسب بسبب بروتوكولات شركات التأمين قد يتسبب في فقدان أو ضعف النظر بشكل دائم. وذكرت الأكاديمية الأمريكية لطب العيون أن هذا الإجراء يضر بمرضى الضمور البقعي، إذ يتحتم على الطبيب إثبات استمرار تدهور النظر عند استخدام الدواء الأقل كلفة كي يتمكن من استخدام الدواء الأكثر فعالية. أما في مرضى الماء الأزرق، فقد يجبر الطبيب على استخدام قطرات علاجية تسبب حساسية لدى المريض قبل استخدام الدواء الذي يعتقد الطبيب بخبرته أنه الأنسب للحالة. وبالنسبة لعمليات إزالة الماء الأبيض، تفرض شركات التأمين زرع عدسات معينة بسيطة جدا على الرغم من تطور أنواع العدسات متعددة البؤر وثلاثية البؤرة، باعتبارها غير ضرورية. كما ترفض الشركات عادة تحمل قيمة عدسات الانحراف (الإستجماتزم) بغض النظر من كونها علاجية في المرضى المصابين بذلك. بل وصل بشركات التأمين الأمر إلى رفض العلاجات المتقدمة المحفزة للغدد الدمعية وإفراز الدموع في حالات جفاف العين الشديدة نظرا لارتفاع سعرها. وعلى الطبيب المعالج عبء إثبات عدم كفاية القطرات المرطبة الشائعة بمرور الوقت مما يفاقم في حالة المريض.
كما أن عذر عدم تغطية وثيقة التأمين للعلاج أو الدواء أو حتى الخدمة الطبية يهمل الواجب التي أنشئ من أجله نظام التأمين الصحي. ويعاني الكثير من الأطباء والمرضى في الولايات المتحدة من التأثير السلبي لهذه الممارسة. ولعل فيلم (JOHN Q) للممثل دينزل واشنطن - الذي يسرد قصة مريض يعاني من مشكلة في القلب - يكشف مدى سوء الممارسات التأمينية لدى الشركات في الولايات المتحدة، ويوضح كيف أصبحت الخدمة الصحية منتجا رأسماليا بحتا. كما يؤدي قصر الخدمة الطبية على منشآت وإجراءات محددة إلى تقييد المعالج من بذل كامل خبرته وجهده لعلاج المريض لعدم السماح له باستخدام العلاج الأمثل أو رفض أخذ رأي اختصاصي آخر لوجوده في منشأة غير مشمولة بوثيقة التأمين.
مما سبق يتبين أن ما يتعلق بممارسات شركات التأمين الصحي من موافقات مسبقة، أو العلاج المتدرج، أو أعذار عدم التغطية، يؤثر على الممارسة الإكلينيكية للأطباء بتأخير إعطاء العلاج، واتخاذ القرار بحكم الواقع، أي أن الطبيب يضطر للاعتماد على خوارزمية علاجية - تضمن عدم رفض التأمين - لعلاج المرضى دون تأخير لكن دون اعتبار لجودة الإجراء أو العلاج، كما أن متابعة الردود مع شركة التأمين قد تؤدي إلى الاحتراق الوظيفي لانشغال المعالج أو الطبيب بتعبئة النماذج والأوراق على حساب الاهتمام بالمريض. ويصف كثير من الأطباء اختلافا في كتابة الملاحظات السريرية والتقارير التي كانت في وقت مضى للنقاش بين الزملاء وشرح وتفصيل وضع المرضى، وأصبحت مجرد وثيقة لتحصيل رسوم الخدمة الصحية المؤمنة. وما يبدو عليه النظام التأميني الذي أنشئ للضبط والجودة عبر التدقيق واستخدام الترميز الطبي مرورا بالموافقات المسبقة بهدف تقديم الرعاية الصحية أضحى هدفه ضبط المصروفات والمدفوعات.
تأسس مجلس الضمان الصحي في المملكة العربية السعودية بموجب قرار مجلس الوزراء بتاريخ 27 / 4/ 1420هـ كجهة حكومية ذات شخصية اعتبارية مستقلة، للإشراف على تطبيق نظام الضمان الصحي التعاوني وتعزيز جودة وكفاءة قطاع التأمين الصحي، لتوفير بيئة صحية متكاملة ومستدامة. كما أنيط إلى المجلس بموجب قرار مجلس الوزراء بتاريخ 28 / 1 / 1445هـ تطبيق إلزامية الضمان الصحي وتحديد المشمولين بالتغطية الإلزامية، واعتماد وتأهيل مزودي الخدمة الصحية. وأعلنت هيئة التأمين بتاريخ 23 / 08 / 1445هـ انتقال اختصاصات التأمين الصحي من مجلس الضمان الصحي إلى هيئة التأمين.
كما أصدر مجلس الضمان الصحي دليل الضمان للمستفيد حرصا على مصلحة المريض من الإهمال والاحتيال اللذين قد يتعرض لهما من مقدم الخدمة الصحية أو الممارس الصحي أو صاحب العمل. من الملفت عدم احتواء الدليل على ما يحمي الطبيب من ضغوطات شركات التأمين الصحي في فرض شروطها واملاءاتها على الممارسة الطبية، إلا أننا نثق في جهود مجلس الضمان الصحي وهيئة التأمين في حماية الأفراد المعنيين كافة من مرضى وأطباء وطاقم طبي، وحرصهم على عدم ترك الأمر للصدفة أو لضغط الشركات التأمينية في إطار تحقيق رؤية 2030 شاملة للخدمة الصحية.
AbouammohM@
