تدني درجات القدرات والتحصيلي... من المسؤول؟
مطير سعيد الزهراني3 دقائق للقراءةحجم الخط
قبل أيام، دار حديث في أحد المجالس بين عدد من أولياء الأمور الذين أنهى أبناؤهم المرحلة الثانوية، كان القلق حاضرا في كل كلمة؛ فبعض الطلاب فقدوا فرصة الالتحاق بالتخصصات التي كانوا يحلمون بها بعد أن جاءت درجات القدرات أو التحصيلي دون مستوى التوقعات، وبينما كان كل طرف يبحث عن تفسير، برز سؤال يستحق التوقف عنده: من المسؤول عن تدني درجات القدرات والتحصيلي؟ وهل يمكن أصلا أن تحمل جهة واحدة مسؤولية نتيجة تتشكل عبر سنوات من التعلم؟
علميا، تعد نتائج الاختبارات المعيارية مخرجات لمنظومة تعليمية متكاملة، وليست انعكاسا للحظة اختبار فقط، فالطالب يدخل قاعة الاختبار وهو يحمل حصيلة سنوات من التعلم، وعادات الدراسة، ومستوى الدافعية، والمهارات العقلية التي اكتسبها، إضافة إلى حالته النفسية أثناء الاختبار، ولهذا فإن اختزال النتيجة في عامل واحد يبتعد عن القراءة العلمية الدقيقة.
ويبقى الطالب الحلقة الأولى في هذه المنظومة؛ فهو المسؤول عن الجدية، والانضباط، وإدارة الوقت، والتدريب المستمر على أنماط الأسئلة، والاستفادة من الفرص المتاحة؛ غير أن هذه المسؤولية لا تعني أنه يعمل في فراغ، فالدافعية نفسها تتأثر بالبيئة المحيطة، كما أن مهارات التفكير لا تبنى خلال أسابيع تسبق الاختبار، وإنما عبر سنوات من التعلم والممارسة.
وتأتي الأسرة شريكا أساسيا في تشكيل هذه النتيجة، فالأسرة التي تتابع أبناءها مبكرا، وتوفر بيئة مستقرة، وتغرس قيمة الاجتهاد، وتتعامل مع الاختبارات بوصفها محطة من محطات الحياة، تختلف نتائجها غالبا عن الأسرة التي يبدأ اهتمامها قبل الاختبار بأيام، أو التي تجعل الدرجة معيارا واحدا للحكم على نجاح الابن أو فشله، فالضغط النفسي المفرط قد يتحول إلى عامل يخفض الأداء بدل أن يرفعه.
أما المدرسة، فهي أكثر من مكان لتدريس المقررات، ورسالتها الحقيقية تتمثل في بناء مهارات القراءة العميقة، والاستدلال، والتحليل، وحل المشكلات، وهي المهارات التي تقوم عليها اختبارات القدرات والتحصيلي، وكلما اقتربت الممارسات التعليمية من تنمية هذه القدرات، انعكس ذلك على أداء الطلاب في الاختبارات المختلفة، وفي حياتهم الجامعية والمهنية لاحقا، ويؤدي المعلم دورا محوريا في هذا الجانب عندما يحول المعرفة إلى تدريب على التفكير، لا إلى معلومات تحفظ ثم تنسى.
كما أن الإرشاد الأكاديمي يستحق مساحة أكبر من الاهتمام، فكثير من الطلاب يدخلون هذه المرحلة دون معرفة كافية بطبيعة الاختبارات، أو بخيارات القبول الجامعي، أو بخطط الاستعداد المناسبة، إن التخطيط للمستقبل الأكاديمي ينبغي أن يبدأ في وقت مبكر، لا أن يؤجل إلى الفصل الأخير من المرحلة الثانوية.
ومن هنا، فإن معالجة هذه القضية تستدعي حلولا عملية تتجاوز تبادل الاتهامات، أولها بناء برامج إعداد تبدأ من الصف الأول الثانوي لتنمية المهارات التي تقيسها هذه الاختبارات، وثانيها تزويد المدارس بتقارير تحليلية تساعدها على قراءة نتائج طلابها واكتشاف جوانب القوة وفرص التحسين، وثالثها تعزيز الشراكة بين الأسرة والمدرسة في متابعة الطالب أكاديميا ونفسيا، ورابعها تطوير دور الإرشاد الأكاديمي ليصبح جزءا من التخطيط المبكر للمستقبل، مع توفير برامج دعم تستهدف الطلاب الذين تظهر لديهم فجوات في المهارات الأساسية قبل وصولهم إلى سنة التخرج.
إن السؤال: من المسؤول؟ يظل مشروعا، لكنه يفقد قيمته إذا كان هدفه البحث عن متهم، فنتائج القدرات والتحصيلي ليست مسؤولية الطالب وحده، ولا الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها، وإنما هي محصلة منظومة كاملة تتقاسم فيها الأدوار والواجبات، وعندما تتحول هذه القناعة إلى ثقافة مؤسسية ومجتمعية، يصبح الحديث عن رفع النتائج أكثر واقعية، ويغدو الاستثمار في الإنسان سابقا للاهتمام بالأرقام التي يحققها.
Drmutir@
