لنتفق على شيء، لم يكن الإنسان يوما خارقا في التركيز. فالشرود الذهني ليس اختراعا حديثا، بل رفيق قديم للعقل البشري. لكن ما تغير ليس وجود التشتت نفسه، بل البيئة التي تتنافس على انتباهنا؛ إذ تتعاون الخوارزميات والإشعارات والمقاطع القصيرة تعاونا يستحق جائزة في العمل الجماعي.

ولطالما كان الشرود الذهني يعني أن تتأمل من نافذة المكتب أو تنشغل بخواطرك. أما اليوم، فيمكنك أن تبدأ بالبحث عن ملف عمل، ثم تجد نفسك بعد عشر دقائق في التعليق التاسع والعشرين تحت منشور لم تكن تعلم بوجوده قبل لحظات، وقد كونت رأيا حول قضية لم تكن تعرف بوجودها أصلا.

فكيف تحول التركيز من أداة تساعدنا على اختيار ما يستحق الانتباه، إلى حالة ذهنية ترى أن كل شيء يستحق الانتباه في الوقت نفسه؟ فننتقل من نافذة إلى أخرى، ومن محتوى إلى آخر، لنكتسب سبع معلومات جديدة لا نحتاج معظمها، بينما تواصل المهمة الأصلية انتظارنا في النافذة الأولى. وهنا يظهر ما يعرف باقتصاد الانتباه. فالشركات اليوم لا تتنافس على كسب أموالك مباشرة بقدر ما تتنافس على شيء أكثر ندرة: ثواني انتباهك. الجميع يريد دقيقة من وقتك، ثم دقيقة أخرى، ثم ثالثة، حتى ينتهي اليوم وأنت تتساءل أين ذهب.

ولفهم حجم هذا التحول، تبرز دراسة الدكتورة غلوريا مارك لتوثق بالأرقام كيف تغيرت أنماط الانتباه خلال العقدين الماضيين. ففي عام 2004، وجدت د. غلوريا وفريقها أن الموظف كان يركز على مهمة معينة لمدة 150 ثانية كمتوسط قبل أن يتشتت. وفي عام 2012، مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية، انخفض هذا الرقم إلى 75 ثانية. وتواصل هذا التراجع لتؤكد أحدث بياناتها لعامي 2023 و2024 أن قدرة البشر على الصمود أمام الشاشات تراجعت إلى متوسط 47 ثانية. وباختصار، يبدو أن بعض الموظفين باتوا يحتاجون إلى مهارة خاصة لإكمال فقرة بريد الكتروني دون القيام بجولة استطلاعية على ثلاث نوافذ أخرى. والأطرف أن المجتمع لا يبدو منزعجا جدا من ذلك، بل على العكس، بدأنا نتعامل مع التركيز كما لو كان موهبة خارقة. فإذا أخبرك أحد بأنه استطاع قراءة كتاب كامل خلال أسبوع، فإن ردود الفعل قد توحي بأنه عاد لتوه من رحلة استكشافية إلى المريخ. 

ومع ذلك، سيكون من السهل جدا إلقاء اللوم كله على المنصات الرقمية. فالمنصات لم تخترع فضول الإنسان ولا حبه للمكافآت السريعة، لكنها تعلمت استثمارهما بكفاءة. ولهذا تبقى المسألة في النهاية سؤالا شخصيا: هل اخترت ما تفعله، أم وجدت نفسك تنجرف إليه دون أن تلاحظ؟ وربما لهذا السبب أصبح الانتباه العملة الأكثر طلبا وندرة في العصر الرقمي.

والأدهى أن الجميع يريد انتباهك، إلا الأمور التي تحتاج انتباهك حقا. وفي كل الأحوال، إذا وصلت إلى هذه الفقرة دون فتح تطبيق آخر أو الرد على إشعار.
أهنئك! لقد امتلكت اليوم مهارة نادرة. وربما حان الوقت لإضافتها إلى سيرتك الذاتية: «القدرة على التركيز لمدة 50 ثانية متواصلة».