هل نحن مسؤولون عن معالجة البطالة في الدول الأخرى؟
إلانه موفق النويصر5 دقائق للقراءةحجم الخط
سؤال يطرحه الكثير من السعوديين، وبخاصة أولئك الباحثون عن فرص وظيفية توازي مؤهلاتهم العلمية والمهنية، في كل مرة يرون فيها وافدين يحتلون وظائف لا تحتاج إلى مهارات أو قدرات استثنائية، وبالتأكيد يمكن شغرها بمواطنين.
هذه الجملة ليست انفعالا لحظيا، بل توصيف دقيق لواقع يعيشه الكثير من أبنائنا وبناتنا كل يوم، في دولة تستثمر مئات المليارات من الريالات في التعليم، وتخرج جامعاتها آلاف الطلاب المؤهلين لسوق العمل سنويا، وللأسف تدار الكثير من وظائفها بأيد لا تنتمي لهذا الوطن.
بالرجوع لنظام العمل السعودي نجد أن المادة (33) الفقرة (2) الخاصة بالعمالة الأجنبية نصت صراحة على «أن يكون من ذوي الكفايات المهنية أو المؤهلات الدراسية التي تحتاج إليها البلاد، ولا يوجد من أبناء البلاد من يحملها أو كان العدد الموجود منهم لا يفي بالحاجة، أو يكون من فئة العمال العاديين التي تحتاج إليها البلاد».
أتفهم أن هناك قطاعات لن تجد فيها سعوديين أو سعوديات يعملون بها، كعمال نظافة أو سائقين أو عاملات منزليات، أو حلاقين، أو خياطين، أو غيرها من المهن التي لا يقبل عليها أبناء الوطن، فمن الطبيعي أن يتم شغلها بعمالة أجنبية، ويتقاضوا عنها الأجر المناسب.
ولكن أن تجد وافدين يزاحمون أبناء الوطن على مهن ووظائف فيها آلاف الخريجين المؤهلين لشغلها، ومع ذلك يتم تهميش السعودي، فهذا هو غير المفهوم أو غير المقبول.
وهنا يظهر على السطح سؤال منطقي ومستحق، هل يعقل أن دولة بها أكثر من 25 مليون سعودي لا تملك كفاءات تسد احتياجات العديد من قطاعاتها المهنية، سواء في المناصب القيادية أو غير القيادية، ليتم جلب أجانب لشغلها؟ وهل جميع الإدارات الأجنبية المستقطبة مستوفية لشروط المادة 33/2 وبخاصة «عدم توفر سعودي مؤهل؟»، إذا كان النظام واضحا وصريحا في هذا الشأن، فلماذا الواقع مختلف؟ ولماذا تفتح رخص العمل للأجانب دون أن يثبت القطاع عدم وجود سعودي قادر على شغلها؟ هذه ليست ثغرة وظيفية، بل فجوة رقابية.
ليس من المنطق ولا من العدل أن تصبح القطاعات الحيوية والأكثر نموا في اقتصادنا الوطني ساحة تدار بأيدي خبرات أجنبية تستقطب أبناء جلدتها، بينما يكتفي الشاب السعودي بمراقبة الهرم الإداري من أسفله.
خلال الأشهر الماضية، انتشرت على منصة «لينكد إن» شهادات عديدة لسعوديين يعملون داخل قطاعات حيوية، تكشف أن بعض القيادات الأجنبية العاملة في قطاعهم، وتشغل مناصب عليا، لا تحمل مؤهلات تتوافق مع احتياج القطاع أو المشروع الموجودة به.
بل إن بعضهم - كما ذكر الموظفون - وصل إلى المنصب القيادي لأنه قريب لمدير المشروع، أو من أبناء جلدته، أو أنه جاء عبر شبكة علاقات داخلية لا علاقة لها بالكفاءة.
فإن صحت هذه الادعاءات، فهذا يخلق سؤالا أكبر، إذا كان النظام يشترط «الكفاية المهنية»، فمن يراجع هذه «الكفاية»؟ ومن يضمن أن المؤهلات حقيقية؟ ومن يتحقق من أن القطاع فعلا لا يوجد به سعوديون قادرون على شغل هذه المناصب؟ وكيف تمنح «رخص العمل القيادية» لأشخاص لا تتوافق خبراتهم مع احتياجات القطاع؟ هذه الأسئلة ليست رأيا شخصيا، بل مسؤولية رقابية، تحتاج إلى جهة فاعلة تطبقها. وأعني بذلك بأن تتولى زمام الأمور بنفسها، وليس اعتمادها على بلاغات المواطنين، أو انخداعها بالشكل الظاهر وإغفال ما خلف الكواليس.
وأعني هنا عدم الاكتفاء بما تراه من سعوديين في الواجهة، كموظفي الكاشيرات في محلات التجزئة ورجال الحراسات في الشركات والبنوك، وموظفي الاستقبال في الفنادق والشقق السكنية، لتعتقد أن هذه القطاعات استوفت شروط التوطين.
ولعل الصورة تتضح أكثر إن تعمقنا في قطاع مثل الفندقة والسياحة، بما يمثله من ثقل في «رؤية السعودية 2030». فحين تدخل أي منشأة فندقية، ستجد أن «السعودة» في الغالب تطبق في الواجهة الأمامية: موظف استقبال سعودي، موظف خدمة عملاء سعودي، موظف علاقات عامة سعودي. لكن ما إن تصعد إلى الطابق الإداري، حتى تتغير الصورة بالكامل، مدير الفندق أجنبي، مدير العمليات أجنبي، مدير الموارد البشرية أجنبي، مدير التسويق أجنبي... إلخ.. وهنا لا بد لي من السؤال، هل المشكلة في الكفاءة؟ أم في الفرصة؟ أم في غياب الرقابة؟
إن هذا النوع من «التوطين التجميلي» ينفي الفلسفة الحقيقية لقضية توطين الوظائف، ويخلق فجوة حقيقية بين ما نملكه من كفاءات وما يتاح لها من فرص. فالتوطين الحقيقي لا يعني وضع مواطن في واجهة الاستقبال، بل يعني نقل الخبرة له، تأهيل الصف الثاني والثالث في المنشأة، تمكين القيادات الوطنية، إلزام الإدارات الأجنبية بإعداد بدائل سعودية. ودون هذه العناصر، سيبقى المواطن في الدور التشغيلي، والقرار التنفيذي بيد الوافد.
وإذا كانت الحجة القائمة لتبرير هذا الوضع هي «نقص الخبرة» أو «حداثة القطاع»، فإن التاريخ السعودي يمتلك إرثا يبطل تلك المقولة، لعل أبرزها التجربة التاريخية للخطوط السعودية عندما فتحت برامج تعليم وتدريب مسائية للموظفين بالتوازي مع عملهم النهاري. فتمكن الموظف من إعالة أسرته والحصول على شهادة أكاديمية أو جامعية والترقي إلى أعلى المناصب القيادية.
هذه التجربة صنعت قيادات وطنية قادت قطاع الطيران لعقود، لأنها اعتمدت على التدريب الميداني الحقيقي، التعليم المتزامن ونقل الخبرة والتمكين الفعلي داخل موقع العمل. ولم تعتمد على استيراد الخبرات الأجنبية فقط كحل سهل وسريع.
على النقيض من ذلك أجد أن تجربة وزارة العدل مع برنامج «التدريب العدلي» لخريجي كليات القانون ممن لم يتمكنوا من التدريب لدى مكاتب محاماة معتمدة أو في الإدارات القانونية للشركات، فاشلة، لأنها تعتمد على حضور محاضرات دون تدريب عملي، وهناك فرق بين محام أمضى تدريبه ميدانيا داخل أروقة المحاكم، وانخرط في صياغة المذكرات واللوائح والتعامل مع القضايا اليومية، ومن اقتصر تأهيله على المحاضرات النظرية.
فلماذا لا يطبق هذا النموذج نفسه في القطاعات الحديثة على سوقنا، كقطاع السياحة والفندقة؟ ولماذا لا تنشأ أكاديميات تدريب داخل الفنادق؟ ولماذا لا تلزم الإدارات الأجنبية بتأهيل قيادات سعودية خلال فترة محددة؟
ومن يدعي صعوبة تطبيق ذلك، بحجة أن الفنادق العالمية لها اشتراطات ومعايير لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن فرض أجنداتنا عليهم، أذكرهم بموقع عراب الرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، عندما اشترط على شركات العتاد العسكري الأجنبية، ضرورة إدخال المحتوى المحلي بنسب محددة في القطع المشتراة، وفرض عليهم نقل خبرات التصنيع والتدريب للسعوديين.
إن تمكين أبناء الوطن في المناصب القيادية ليس خيارا ثانويا أو مجرد نسبة تحسب في سجلات التوطين، بل هو استثمار في استقرار الاقتصاد الوطني واستدامته. وحين نضع البرامج التأهيلية الجادة ونلزم القطاعات المختلفة بنقل الخبرة الحقيقية، سنجد أن الكفاءة الوطنية قادرة على قيادة أكبر المنشآت بكفاءة واقتدار.
وستكون المسؤولية الأولى والأخيرة للسعودية هي المواطن ومستقبله واستقراره وقدرته على بناء حياة مهنية كريمة داخل وطنه، وليس معالجة بطالة الدول الأخرى.
Elanah_n@
