يمر المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط ومحيطه الإسلامي بتحول بنيوي عميق، يتجاوز الصيغ التقليدية للعمل المشترك التي هيمنت على العقود الماضية.
ولعل الإعلان عن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد يمثل التجسيد الأبرز لولادة نمط جديد من هندسة العلاقات الدولية؛ نمط يعتمد على «عبقرية القرار النشط» عبر آليات التحالفات المصغرة والنوعية (Minilateralism)، في مقابل «بيروقراطية القرار المؤسسي غير الفعال» الذي بات يوصم أداء المنظمات الإقليمية الكبرى.
في قلب هذا المشهد المتغير، يبرز تساؤل مركزي حول دلالات وأبعاد هذا التحالف الثلاثي، وأسباب غياب المظلات التقليدية (الجامعة العربية، مجلس التعاون، منظمة التعاون الإسلامي)، فضلا عن القراءة العميقة للموقف العربي والأمن الإقليمي.
عبقرية القرار النشط في مواجهة جمود المؤسسات
تأتي اتفاقية مكة لتثبت أن الفاعلية في عالم اليوم لم تعد ترتبط بحجم التكتل، بل بسرعته وقدرته على الاستجابة اللوجستية والاستخباراتية. تعكس الدول الثلاث (السعودية، تركيا، باكستان) بوضوح عبقرية القرار النشط؛ حيث تم صياغة الحلف بعيدا عن أروقة المنظمات الموسعة لتحقيق مرونة قصوى في اتخاذ القرار العسكري.
في المقابل، يتضح مأزق بيروقراطية القرار المؤسسي غير الفعال عند تفكيك أسباب غياب الكيانات التقليدية:
- مجلس التعاون الخليجي وتباعد الأولويات: رغم قيادة الرياض للمشهد، إلا أن محاولة إقحام المجلس ككتلة موحدة يصطدم بتباين العقائد الأمنية للدول الأعضاء. فبينما تحرص سلطنة عمان وقطر على تبني سياسات التوازن والوساطة المستقلة مع الأطراف الإقليمية (كإيران)، تتركز اهتمامات الإمارات الاستثمارية والأمنية في سياقات مختلفة نسبيا، مما جعل الالتزام العسكري الجماعي مع قوى كبرى كتركيا وباكستان أمرا معقدا، فضلا عن وجود منظومة «درع الجزيرة» كإطار خليجي خالص.
- الجامعة العربية وشلل «الإجماع القومي»: تعاني الجامعة العربية تاريخيا من «فيتو الإجماع» اللازم للقرارات المصيرية بين 22 دولة ذات توجهات وتناقضات حادة. ولم تكن معاهدة الدفاع العربي المشترك (المبرمة عام 1950) سوى حبر على ورق لغياب الإرادة السياسية، يضاف إلى ذلك أن الصبغة القومية للجامعة تحظر قانونا رعاية أحلاف عسكرية رسمية تضم قوى غير عربية كأنقرة وإسلام آباد.
- منظمة التعاون الإسلامي.. غياب التخصص العسكري: المنظمة الجامعة لـ57 دولة صممت كمنبر دبلوماسي وثقافي، وتفتقر هيكليا لأي مجالس أو آليات لإدارة الجيوش، والانحياز لتحالف دفاعي ثلاثي كان سيهدد تماسكها نظرا للصراعات البينية بين بعض أعضائها.
لم يكن غياب الثقل العسكري العربي خارج المنظومة الخليجية غيابا عشوائيا، بل خضع لحسابات استراتيجية رصينة تشترك فيها كبرى الجيوش العربية - وعلى رأسها مصر والجزائر - والتي تحكم حركتها الخارجية ضوابط دستورية وعقائدية صارمة تتناقض مع فكرة «الدفاع المشترك العابر للأقاليم»:
- العقيدة العسكرية الصارمة وحظر التدخل الخارجي:
- في النموذج المصري: تتبنى القيادة المصرية الحالية سياسة دفاعية حذرة تركز على حماية الأمن القومي المباشر ضمن حدوده الاستراتيجية اللوجستية (الجبهة الليبية، السودان، والبحر الأحمر)، وتوجيه قدرات الجيش لتأمين الداخل بدلا من التورط في التزامات دفاع جماعي إقليمية قد تستنزف موارده.
- في النموذج الجزائري: يمتلك الجيش الجزائري عقيدة مماثلة تعد من الأكثر صرامة في العالم العربي؛ فغالبية العقيدة الدستورية الأساسية للجزائر تحظر إرسال قوات عسكرية للقتال خارج الحدود، وتعتبر الأمن القومي مرتبطا حصرا بالعمق الأفريقي والمغاربي وفضاء المتوسط، رافضة الدخول في أحلاف عسكرية ذات طابع قطبي أو إقليمي موسع.
- الوسيط المستقل ورفض سياسة المحاور: تحرص القوى العسكرية العربية الكبرى كالقاهرة والجزائر على الاحتفاظ بهامش حركة واسع كأطراف وسيطة ومستقلة في الأزمات الدولية. والانخراط في حلف دفاعي ثلاثي في هذا التوقيت الحرج، قد يفسر إقليميا كتموضع عسكري مباشر في مواجهة قوى أخرى، وهو ما يتعارض مع رغبة هذه العواصم في الحفاظ على قنوات تواصل متوازنة مع الفاعلين الإقليميين كافة.
- عامل الوقت وجدلية الأولويات الأمنية: ترى الحسابات العربية أن الترتيبات الأمنية المستدامة يجب أن تناقش عقب استقرار الجبهات المشتعلة وبناء بيئة إقليمية مستقرة، وليس عبر الانخراط المستعجل في تحالفات عسكرية جديدة وسط مناخ دولي يموج بالاضطراب وعدم وضوح المآلات.
لا ينفصل الموقف الدفاعي للقوى العربية الكبرى عن حزمة من التحولات العميقة في بنية العلاقات (العربية-العربية)، والتي أفرزت نمطا جديدا من التوازنات التي تحكم حركة القرار السياسي:
- إعادة صياغة الشراكات الاقتصادية: تشهد المنطقة انتقالا منظما من صيغ الدعم المالي التقليدي والمباشر، إلى نمط «الشراكات الاستثمارية التنموية القائمة على الجدوى المشتركة والإصلاح الهيكلي». هذا التحول البنيوي الذي تقوده الرياض، دفع العواصم العربية المقابلة إلى انتهاج سياسة «تنويع الشراكات الاستثمارية» وتوسيع قنوات التدفقات الرأسمالية مع مختلف الأقطاب الخليجية، وهو ما يفرض بالتبعية تبني مواقف دبلوماسية مرنة تحافظ على مسافة متساوية من التوازنات البينية للأشقاء، وتتجنب التموضع العسكري الذي قد يفسر كانحياز لملف دون آخر.
- المعادلة الأمنية في البحر الأحمر والملف اليمني: يبرز الملف اليمني وأمن الملاحة في مضيق باب المندب كأحد محددات الأمن القومي العربي المشترك. وفي هذا السياق، تلتقي المقاربة المصرية استراتيجيا مع الرؤية السعودية الحريصة على صون وحدة الأراضي اليمنية واستقرار حوض البحر الأحمر، باعتباره العمق الاستراتيجي الحيوي المغذي لقناة السويس. ومع ذلك، تؤثر القوى العربية الكبرى في تبني «الدبلوماسية الوقائية والهادئة» لتفكيك الأزمات، مفضلة تشجيع مسارات الحوار البيني وتقريب وجهات النظر الإقليمية، بدلا من الانخراط في ترتيبات عسكرية حادة قد تزيد من تعقيد المشهد.
حظيت اتفاقية مكة للدفاع المشترك باهتمام دولي واسع، وترافقت التغطيات والتحليلات الأولى مع قدر من الإيجابية تجاه قدرتها على إعادة صياغة معادلات الأمن الإقليمي، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. فقد قرأت دوائر إعلامية واستراتيجية دولية الاتفاقية بوصفها تعبيرا عن توجه متزايد نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر اعتمادا على القدرات الذاتية، وأقل ارتباطا بالمظلات الأمنية التقليدية. وبرز في هذه القراءة أن اجتماع القدرات الاقتصادية السعودية، والخبرة العسكرية والصناعية التركية، والخبرة الدفاعية الباكستانية، يمنح الاتفاقية وزنا يتجاوز حدود الدول الثلاث، ويفتح المجال أمام نموذج جديد للتعاون الدفاعي بين قوى إقليمية مؤثرة.
كما لفتت التغطيات الدولية إلى الطبيعة الدفاعية المعلنة للاتفاقية، وإلى أن مبدأ اعتبار الاعتداء على دولة طرف اعتداء على الأطراف الأخرى يعزز مفهوم الردع الجماعي، مع التأكيد الرسمي على أن الاتفاقية ليست موجهة ضد دولة بعينها، ولا تستهدف الدخول في سباق تسلح إقليمي. وقد انعكس ذلك في عدد من القراءات التي رأت فيها خطوة نحو تعزيز الاستقرار والقدرة على حماية المصالح الحيوية، وليس مجرد تشكيل محور عسكري جديد.
ومن اللافت أن الاهتمام العالمي بالاتفاقية لم ينحصر في بعدها العسكري، بل امتد إلى دلالاتها السياسية والاستراتيجية؛ إذ اعتبرتها بعض التحليلات مؤشرا على تنامي قدرة القوى الإقليمية على صياغة أطر أمنية نابعة من احتياجاتها ومصالحها المباشرة. وبذلك، فإن الإيجابية التي رافقت جانبا من التفاعل الدولي مع الاتفاقية تعكس إدراكا متزايدا بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يستمر طويلا في الاعتماد على ترتيبات خارجية منفردة، وأن بناء شراكات إقليمية مرنة ومتعددة الأطراف قد يصبح أحد ملامح النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، فإن الاهتمام الدولي لم يكن متطابقا في تفسيراته؛ فقد ظهرت أيضا قراءات حذرة تتساءل عن انعكاسات الاتفاقية على موازين القوى الإقليمية، وهو أمر طبيعي بالنسبة إلى اتفاقية دفاعية بهذا الوزن. غير أن هذا التباين نفسه يؤكد أهمية الاتفاقية باعتبارها تطورا استراتيجيا يستحق المتابعة، ويشير إلى أن «عبقرية القرار النشط» التي يتناولها هذا المقال لم تعد مسألة إقليمية محدودة، بل أصبحت محل اهتمام في دوائر التحليل السياسي والأمني على المستوى الدولي.
الآفاق العالمية لرؤية المملكة 2030 ومرونة التحرك الجيوسياسي
من جانبه، لا يمكن قراءة هذا التحالف العسكري بمعزل عن المرتكزات الكبرى لرؤية المملكة 2030 في أبعادها العالمية؛ فالرؤية لم تعد مجرد برنامج للإصلاح الاقتصادي الداخلي، بل تحولت إلى وثيقة استراتيجية صاغت ملامح «الدبلوماسية السعودية الجديدة» القائمة على الانفتاح متعدد الأقطاب والتحرك المرن على الساحة الدولية:
- الاستقلالية الاستراتيجية وتنويع الشراكات: تمنح رؤية 2030 الرياض حريّة حركة واسعة للانتقال من مربع الاعتماد التقليدي على المظلات الأمنية الغربية، إلى بناء تفاهمات وتحالفات نوعية رشيقة عابرة للقارات مع قوى إقليمية وازنة كتركيا وباكستان. هذا النمط من العلاقات يتيح للمملكة مرونة عالية في المناورة دوليا وحماية مصالحها الحيوية دون قيود التحالفات الصلبة التقليدية.
- توطين الصناعات الدفاعية والأمن المستدام: يمثل قطاع الاستقلال الدفاعي وتوطين الصناعات العسكرية ركيزة أساسية في مستهدفات الرؤية. ومن هنا، يأتي «القرار النشط» في اتفاقية مكة ليخدم هذا البعد الاستراتيجي؛ حيث يمهد الطريق لنقل التكنولوجيا العسكرية المتقدمة من أنقرة والقدرات النوعية من إسلام آباد، ممهدا لتحويل المملكة إلى مركز إقليمي للصناعات الدفاعية، مما يعزز أمنها الذاتي ويثبت مكانتها كقوة رائدة تقود التوازنات العالمية بصيغ حديثة ومبتكرة.
إن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» هي إعلان رسمي عن أفول عصر المظلات التقليدية الكبرى في الشق العسكري، والاعتماد على الأحلاف الرشيقة القادرة على التنفيذ النشط تماشيا مع طموحات رؤية المملكة 2030 العابرة للحدود.
بينما حقق الحلف الثلاثي مرونة حركية عالية، أثبتت الحسابات العربية الكبرى (كمصر والجزائر) صوابية قراءتها الاستراتيجية عبر الحفاظ على مسافة آمنة تحمي جيوشها القومية وتضمن استقلال قرارها العسكري، مع تفعيل قنوات التنسيق السياسي والأمني الثنائي والمجالس العليا لتأمين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة وسط إقليم يموج بالتحولات المتسارعة.
aabankhar@

