شهر أغسطس من عام 90 كان أسود. حلت ذكرى الغزو العراقي إبان العهد الصدامي لدولة الكويت الأسبوع المنصرم. اضطرابات المنطقة الجارية أعادت المشهد لمن عاصروا غدر صدام حسين بمنطقة الخليج، من أبناء ذلك الجيل.

حينما قرر الراحل الملك فهد الدخول بكل ثقل المملكة لاستعادة الكويت، لم يكن قرارا ارتجاليا، أو استعراضا للقوة. بل نابعا من مسؤولية سياسية وأخلاقية، تعتمد عليها السعودية في سياستها منذ التأسيس حتى اليوم.

أتذكر وقتذاك دعوة الجيش السعودي للمتطوعين من الشباب. عشرات الآلاف استجابوا للنداء. برأيي، إن ذلك ليس نابعا من ضعف أو نقص في الرجال، إنما أرادت المملكة، بناء ذهنية اجتماعية يلتف حولها الخليجيون على مختلف مشاربهم تحت سقف واحد. فأن يقدم شاب يافع من منطقة سعودية ما؛ لنذر حياته لتحرير دولة الكويت، فهذا سيساهم دون شك بتلاحم خليجي، يتجاوز كل الحساسيات أو الفروقات إن وجدت. تكرر الأمر ذاته حين شارك أبناء الخليج في عاصفة الحزم. كل تلك الحالات تؤدي للمعنى المذكور.

وعد الملك وقتذاك وأوفى. استعيدت الكويت لشعبها وقيادتها. لم ينظر للكلفة السياسية أو المادية أو العسكرية، أو حتى ارتدادات الاستعانة بالقوات الأجنبية على المنطقة والمملكة تحديدا. أقصد تنظيم القاعدة، وحكاياته التي لا يتسع المجال لاستعادة ذكرها.

في الوقت الراهن؛ موقف القيادة السعودية بالتصدي لاشتعال المنطقة، يشبه تلك اللحظات التاريخية الآنف ذكرها. كيف؟ أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي؛ أن المملكة فضلت التوصل إلى تسوية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على التصعيد العسكري. قال من على متن طائرته الرئاسية «سألت السعودية؛ الملك وولي العهد، ماذا تفضلون أن نفعل. هل تفضلون أن نفعل هذا أم لا - يقصد العمل العسكري - قالوا: نفضل بشدة عقد صفقة بدلا من شن هجوم. لأنك لا تعرف إلى أين ستؤدي الهجمات. هل سيتدفق الناس إلى بلادهم؟ وتحدث كارثة. قد تحدث أمور سيئة كثيرة».

بالنسبة لي استماع الرئيس الأمريكي لرأي الملك وولي العهد، له عدة مسببات، ما هي؟ أولا: الحكمة السعودية غير المستحدثة. ثانيا: التحالف الاستراتيجي بين الرياض وواشنطن، الذي يكفل تفاهمات بعيدة المدى، ليست مرتبطة برئيس أو حزب معين.

ثالثا: الخشية من إدارة المملكة ظهرها للتحالف الأوحد معها، على حساب تعدد الارتباطات. مع الصين أو روسيا على سبيل المثال. فتلك ورقة موجودة بالأصل على طاولة صانع القرار السعودي، وهي مربكة للحسابات الأمريكية. وذا نابع من الثقل الاستراتيجي للمملكة، دون غيرها بالمنطقة.

رابعا: - وهذا المهم - استيعاب ترامب لحيثيات استقلال القرار الصادر من الرياض، ورفض التبعية أيا كانت. وما إصرارها على عدم التطبيع مع إسرائيل رغم كثافة المطالبات، إلا شاهد على خلق انطباع في عواصم القرار العالمية، بما فيها واشنطن، أن السياسة السعودية لا تتسع لتقديم تنازلات على حساب كينونتها الخاصة بها.

أتصور أنه لم يفت على السعوديين تمحيص وثيقة استراتيجية تتعلق بالأمن القومي للولايات المتحدة، دمغها ترامب بتوقيعه، في نوفمبر العام الماضي 2025.

كيف؟ بمضامين تلك الوثيقة، التلويح بأن أمريكا لن تولي الشرق الأوسط اهتماما رئيسيا، كما كان خلال العقود الماضية؛ بالإضافة إلى تقديم إيران وحلفائها، بمثابة عوامل تهديد لمنطقة الخليج، يمكن إضعافه بتنفيذ ضربات قاصمة، من قبل أمريكا وإسرائيل. كل ذلك صحيح.

السؤال: ماذا فهم السعوديون وبالتالي كان موقفهم وقف التصعيد؟ أعتقد أنهم فهموا أن التراجع الذي تضمنه محتوى الوثيقة الأمريكية، يمهد الطريق لأن تصبح تل أبيب وريثا لها في المنطقة. وذا مرفوض قطعيا وبلا جدال. لذلك كان رأي المملكة بإخماد نيران الحرب راجحا، واقتنع به الأشقر الملاكم، الجاهز لإشعال أي بقعة من الأرض.

على كل حال، أستطيع القول؛ بلا تملق ولا تطبيل، اعتمادا على الأحداث، إن السعودية أثبتت التزامها بمفهوم البناء لا الهدم. فقد حملت لواء استقرار اليمن. وإعادة سوريا الجديدة للحضن العربي، وتمويل إعمارها، بعد أن أزاحتها من قوائم العقوبات الدولية. وحرصت على لبنان وإرجاعه لصفة الدولة. أما بالنسبة لفلسطين، فبذلت جهودا مضنية أدت لاعتراف أكثر من نصف الأرض بها؛ كدولة مستقلة.

حتى إن بعض المحللين وجد بقصف ميليشيات الإرهاب المذهبي في العراق، عبر طائرات القوات الجوية الملكية السعودية مؤخرا، كثيرا من الواقعية، التي تؤدي لخدمة الدولة العراقية، وقرار رئيسها، بحصر السلاح السائب، كونه مأجورا - أي السلاح وليس علي الزيدي - للخارج، ومسببا للتوترات مع دول الجوار. وهذا صحيح.

إن أي عجلة دبلوماسية لأي دولة تنشط في أوقات الحرب، لإخماد الحرائق، خصوصا إن كانت مرتبطة بخصمها التاريخي، وصولا لتشكيل المنطقة طبقا للمزاج السياسي والاجتماعي الخاص بها، لا وفقا لحسابات الآخرين، لهي دبلوماسية تتمتع بقمة الأخلاقيات، وبعد النظر.

لقد أعطت المملكة درسا لحكومات وشعوب الإقليم، أن التعمير هو الحل، بدلا عن أداء أدوار وظيفية لا مصلحة بتحقيقها.

الرسالة للعرب والأعراب: لا تؤجر عقلك. استخدمه حتى تستوعب كيف جنبت السعودية المنطقة.. الزلزال الأكبر.