التخطيط العمراني والفجوة بين الظاهرة والمشكلة
وليد الزامل3 دقائق للقراءةحجم الخط
قد نصاب أحيانا بالمرض فترتفع درجة حرارة الجسم لنسارع بأخذ خافضات الحرارة؛ لكن هل انخفاض الحرارة يعني زوال المرض؟ صحيح ربما نشعر بتحسن والمؤشرات الحيوية تعطي نتائج إيجابية؛ ولكن المرض يستمر في التفاقم عند تجاهله. وبالمثل، قد تتحسن المؤشرات الإحصائية في المدن، لكن ذلك لا يعني أن جودة الحياة قد تحسنت فعلا. نعم، قد تزداد نسبة التملك السكني؛ لكن الأسر تعاني من ارتفاع رسوم الرهن العقاري. وقد تختفي السيارات من منطقة تجارية شديدة الازدحام، بينما تتفاقم المشكلة في مكان آخر. وقد تزال العشوائيات من الخريطة، بينما تصبح القدرة على الحصول على السكن أكثر صعوبة.
أرى أن الخطاب العمراني المحلي يواجه مشكلة حقيقية تتجاوز إجراءات التخطيط العمراني نحو طريقة التفكير نفسها؛ فالكثير من المشاكل الحضرية يتم التعامل معها كظواهر بصرية وليست إشكاليات حضرية مركبة. نحن في معظم الأحوال نفكر فيما نراه دون أن نحاول استيعاب الأسباب والبنى المعقدة التي أدت إلى نشوء الظواهر. وعندما نخلط بين الظاهرة والمشكلة يصبح مفهوم النجاعة قاصرا على الصورة البصرية المجردة لتزداد المشكلة تعقيدا أو تنتقل إلى مكان آخر. الأخطر من ذلك كله عندما يرسم هذا الخلط المركب معطيات إيجابية لدى المسؤولين وصانعي القرار استنادا إلى أرقام إحصائية مجردة من سياقاتها؛ فالمشكلة في هذه الحالة تحولت من شكل إلى آخر ولم يتم حلها.
وحتى لا يكون حديثي نظريا دعوني أضرب لكم أمثلة، المثال الأول حول مشكلة العشوائيات في المدن، فعندما نزيلها تبدو المشكلة انتهت ظاهريا. ولكن السؤال الأهم ماذا حدث للأسر التي كانت تسكنها؟ ماذا حدث للمعروض السكني في المدينة؟ هل ارتفعت أسعار الإيجارات؟
في الواقع الحل لا يمكن أن يأتي بمجرد القضاء على الظاهرة؛ بل بتوفير بدائل إسكان قادرة على استيعاب السكان وفي مواقع تضمن استمرارية النشاط الاقتصادي لهم دون أن يؤدي ذلك إلى خفض مخزون الإسكان، أو ظهور مناطق عشوائية جديدة على هوامش المدن. النجاعة في القضاء على المشكلة من جذورها وضمان عدم ظهورها مستقبلا مع الأخذ في عين الاعتبار السياق الاجتماعي والاقتصادي للسكان.
المثال الثاني حول سياسات إدارة مواقف السيارات في المدن. فعندما نفرض رسوما على المواقف أمام الأنشطة التجارية سوف تختفي السيارات من الشوارع التجارية وتنساب الحركة المرورية مسنودة لمؤشرات إحصائية. ولكن السيارات لم تتبخر في الهواء فهي موجودة وانتقلت إلى أماكن أخرى داخل الأحياء السكنية، عندئذ نسارع بفرض غرامات أخرى داخل الأحياء السكنية وتستمر دوامة ملاحقة الظاهرة الجديدة دون أن نفكر بالحلول الجذرية للمشكلة الأصلية ومعالجة الطلب على المواقف وتوفير حيز قادر على استيعاب التضخم في إعداد السيارات أو بدائل نقل فاعلة.
أخشى ما أخشاه أن تتحول طريقة التفكير هذه إلى سياسة عمرانية معتمدة، فكلما واجهتنا مشكلة حضرية نسارع في إخفاء الظاهرة بالبلدوزر أو بالغرامات دون أن نواجه المشكلة الحقيقية. وغني عن البيان، فالمدينة هي منظومة مترابطة وليست مشاهد مفككة، والحلول المؤقتة أو تلك القائمة على معالجة الظواهر قد تولد كرة ثلجية تتفاقم في المستقبل. لذلك، لا أرى أن تنشغل إدارات المدن في ملاحقة الظواهر العمرانية وإزالتها من الوجود دون أن نستوعب الديناميكيات التي أنتجتها.
وفي الختام، فالمدن لا تحتاج إلى مزيد من السياسات العمرانية التي تبرع في إخفاء الظواهر؛ بل إلى سياسات قادرة على فهم المشكلة وأسبابها، ثم التعامل معها بحلول ناجعة ومستدامة.
