اتفاقية مكة.. انطلاق الحلم وتمكينه
شاهر النهاري3 دقائق للقراءةحجم الخط
ليست الاتفاقيات العظيمة تلك التي تزدحم صفحاتها بالبنود، بل تلك التي تؤسس لتحول في الفكر السياسي، وتفتح أبوابا لمستقبل أكثر استقرارا.
ومن هذا المنطلق، تبدو اتفاقية مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان حدثا يتجاوز حدود التنسيق التقليدي، لأنها ولدت من تقارب في الرؤية والثقة قبل أن تترجم إلى تفاهمات سياسية ودفاعية.
لقد عاشت المنطقة الإسلامية عقودا طويلة في دوامات من الحروب والتدخلات والصراعات التي مزقت الجغرافيا واستنزفت الإنسان، حتى أصبح الأمن مطلبا تبحث عنه كل دولة منفردة، ولا تجده.
غير أن التجارب أثبتت أن الأمن لا يصنع بالعزلة، بل بالشراكة، وأن التحالفات القائمة على الاحترام المتبادل وحسن النوايا والتوجهات أكثر قدرة على مواجهة الأخطار من التحالفات التي تبنى على الإملاءات أو المصالح المؤقتة.
وتكتسب هذه الاتفاقية أهميتها من طبيعة أطرافها. فالمملكة العربية السعودية تمثل ثقلا سياسيا واقتصاديا وروحيا في العالم الإسلامي، وباكستان تمتلك قوة عسكرية واستراتيجية تجعلها الدولة الإسلامية النووية الوحيدة، فيما تتمتع تركيا بقاعدة صناعية وعسكرية متقدمة، إلى جانب موقعها الجيوسياسي المؤثر.
وعندما تتكامل هذه القدرات، فإنها لا تصنع محورا للمواجهة، بل تبني منظومة توازن قادرة على حماية الاستقرار وصناعة الردع.
وما يمنح هذا التقارب قيمته الحقيقية أن الوصول إليه لم يكن وليد لحظة عابرة، فبناء الثقة بين الدول هو أصعب من توقيع الاتفاقيات نفسها.
أما حين تتقدم النيات الصادقة على الحسابات الضيقة، وتصبح المصلحة المشتركة أوسع من المكاسب الفردية، وبما يتناغم مع النظام العالمي، فإن الاتفاق يتحول إلى مشروع طويل العمر موثوق، لا إلى بيان سياسي جاهز ينتهي أثره بانتهاء المناسبة.
كما أن اتفاقية مكة تحمل رسالة تتجاوز حدود الدول الثلاث إلى أطراف العالم، فهي تقدم نموذجا إسلاميا يقوم على التعاون واحترام السيادة وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والتشارك في الرؤية والمعلومة، ويؤكد أن الردع المنهجي لا يتعارض مع السلام، بل يحميه، وأن التنمية لا تزدهر إلا في بيئة مستقرة تمتلك القدرة على الدفاع عن مصالحها.
ولأن اتفاقية مكة ذات طبيعة دفاعية واضحة، فإنها لا تستهدف صناعة محاور شر جديدة، ولا الإضرار بأحد، بل الإسهام في استقرار سائر الإقليم، وحماية بحاره ومضائقه، وتضييق المساحات على الإرهاب وأهله، وتهيئة بيئة أكثر أمنا للاستثمار والتنمية، من أجل الأجيال القادمة، وبما يجعل الاتفاقية عامل توازن يخدم المنطقة بأسرها.
وقد لا تقف هذه الاتفاقية عند حدود أطرافها الحالية، بل قد تتحول إلى نواة لتحالف إسلامي أوسع، شريطة أن ينضم إليها من يؤمن بالسلام والشراكة لا بإمكانية الاستفادة منها، وبوحدة المصير لا بالمواقف العابرة.
وحينها لن تكون مكة قد احتضنت اتفاقية جديدة فحسب، بل ستكون قد أطلقت فكرة سياسية نيرة تقول إن اجتماع القلوب هو الطريق الأقصر لاجتماع الشعوب، وإن القوة حين تبنى على الثقة تصبح الحارس الأمين الحقيقي لديمومة السلام.
وتمجيدا لمقالي هذا، شكرا لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وشكرا لفخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وشكرا لدولة السيد محمد شهباز شريف رئيس الوزراء في جمهورية باكستان الإسلامية.
