تذكرت إحدى الصديقات عندما نشرت مقطعا أدبيا، متطلعة للإعجاب والقبول الذي سيحظى به المقطع، ثم حدثتني وهي تحمل حزنا كبيرا، وقالت "لم ينل إلا ثلاثة لايكات!"، وكأن جودة النص لا تكمن في جماله، بل في عدد اللايكات التي حصدها.
ولا أقصد من خلال المقال أن الدعم غير مهم، بالعكس هو قيمة إنسانية عظيمة؛ يحول لحظة الانكسار إلى بداية جديدة، ولحظة الإنجاز إلى لحظة تاريخية، وقد شدني أحد الأوصاف في الدعم بأنه "همسة دافئة، ويد تصفق حين نصل للطريق". لكن المفارقة تكمن بين الدعم كسلوك مقصود وردة فعل واضحة، و"اللايك" كرمز وإشارة وعادة اجتماعية نتعامل معها.
وبالنظر في قضية اللايك نجد أنه إشارة رمزية تصل لدماغ الإنسان تنشئ لديه شعور الفرح والبهجة والفخر... إلخ تجاه السلوك الذي قدمه ووجد إعجابا عليه، وهي واقعية تفرضها المراقبة والمتابعة لقياس السلوك المرغوب.
أما بالنظر في حقيقة أخرى لهذه القضية، فاللايك يشبه الابتسامة العابرة من شخص عابر، والتي قد تمنحك بهجة لكنها لا تعني بالضرورة معرفة أو علاقة أو اهتماما، بل ظل سريع يعكس مزاج المتلقي أو انتباهه في لحظة من اللحظات، وهو ما يحدث تجاه المنشورات والأخبار، الآراء والمقالات، الصور والمقاطع، أو حتى الأفكار، فحصولنا على اللايك أو عدمه لا يقيس جمالها وجودتها أو فشلها، ولا يقيس تأييدها أو معارضتها.
لكن المعنى البارز يكون في تفاوت الناس في شعورهم عند حصولهم على "اللايك" فمنهم من يرونه دعما، وآخرون يعتبرونه مجاملة، والبعض يعلق قلوبهم به حتى أصبح مرآتهم. وهنا يبدأ الاختلاف في الفهم، وتحدث كثير من الخلافات والإحباطات لأنهم منحوه سلطة أكبر من حجمه، ومقايضة على المشاعر، وقياسا لقيمتهم في عيون الآخرين. ومن المقولات الجميلة للجاحظ "من أراد أن يرضي الناس كلهم، فليس إلى ذلك سبيلا" وكأن لسان حاله يقول لنا: مهما كثرت اللايكات فلن ترضي الجميع، ولن تكون أنت من خلال حصد اللايكات أكثر صدقا أو أعمق أثرا أو أكثر جاذبية.
والجانب الآخر لحقيقة اللايك أنه يتعلق "بالمتلقي" وليس بالموضوع أو الفكرة، فهو رمزية للمزاجية والرغبات والاهتمامات، وكذلك الحالة الشعورية الحالية، بالإضافة إلى العلاقة القائمة بين المتلقي وصاحب الموضوع أو الفكرة. ولذلك أيضا يتفاوت شعور واضع اللايك فقد يكون تقديرا صادقا منه، أو مجاملة اجتماعية، وربما مجرد عادة أو نقرة سريعة بلا تفكير، أو تصفية حساب ورد الحقوق السابقة حين لا يضع اللايك.
نحن لا ننكر أن "اللايك/ Like" جميل في لغته الصامتة، ورمزيته الغامضة، والشعور الذي يخلقه، لكنه يبقى ناقصا إذا لم يرافقه تعليق صادق أو حوار حي أو تغذية راجعة تدغدغ عقولنا فتستنير. وتلامس قلوبنا فتضحك ولذلك؛ فالأجمل أن نعيد له حجمه الطبيعي ويبقى "إشارة دعم، لا شهادة قيمة".
اللايك (وهم القبول وحقيقة القيمة)
ناقية الهتاني3 دقائق للقراءةحجم الخط
