حين نرى منتجا صينيا معروضا بنصف سعر منافسيه، يتبادر إلى الذهن شعور واحد: يا لها من صفقة رابحة. لكن خلف هذا السعر المغري قد تختبئ أحيانا استراتيجية طويلة النفس، لا تهدف فقط إلى بيع منتج، بل إلى السيطرة على سوق كامل. فالقصة لا تنتهي عند السعر المنخفض، بل تبدأ منه، وما يبدو هدية للمستهلك قد يتحول لاحقا إلى فاتورة استراتيجية تدفعها الدول والصناعات والمجتمعات.

الفكرة في جوهرها ليست جديدة، وتعرف في الاقتصاد بالتسعير الافتراسي أو الإغراق. تدخل شركة، أو قطاع مدعوم من دولة، إلى سوق عالمي بأسعار قد تكون أقل من تكلفة الإنتاج، وتتحمل الخسارة فترة طويلة، لا عجزا، بل لأنها تنظر إليها بوصفها استثمارا في السيطرة المستقبلية. وفي المقابل لا يصمد المنافس المحلي في أوروبا أو أمريكا طويلا؛ فهو يبيع ليربح ويغطي تكاليفه، بينما المنافس المدعوم يبيع بخسارة سنوات متتابعة. ومع الوقت تغلق المصانع، وتفقد الشركات حصتها، وتخرج الخبرات، وتتحول المهن الصناعية إلى ذكريات.

وحين يضعف المنافسون يبدأ الفصل الثاني، حيث لم تعد المسألة سعرا منخفضا بل نفوذا؛ فيستطيع الطرف المسيطر أن يرفع الأسعار، أو يتحكم في الكميات، أو يستخدم التوريد ورقة ضغط سياسية واقتصادية.

ما يجعل هذه الاستراتيجية ممكنة في الحالة الصينية هو اجتماع ثلاثة عوامل. الأول: الدعم الحكومي الضخم الذي يجعل الخسارة قصيرة المدى محتملة حين تعامل الدولة قطاعا بوصفه مشروعا استراتيجيا. والثاني: الحجم الهائل للإنتاج وسلاسل الإمداد العميقة التي تخفض تكلفة الوحدة. والثالث: الصبر؛ فالشركات الغربية تحاسب كل ربع سنة أمام المستثمرين، بينما تستطيع الصين أن تفكر بمنطق العقود. فالمعركة ليست بين شركة وشركة، بل بين شركة تفكر في الربح القادم ودولة تفكر في السيطرة القادمة.

أوضح مثال هو صناعة الألواح الشمسية. قبل سنوات كانت ألمانيا واليابان والولايات المتحدة في مقدمتها، ثم تدفقت الألواح الصينية بأسعار منخفضة، فانهارت شركات غربية عريقة وأغلقت مصانع وفقدت وظائف. واليوم تسيطر الصين على الجزء الأكبر من سلسلة التصنيع، وتتجاوز حصتها في بعض الحلقات 80%، حتى بات العالم يعتمد على مصدر واحد تقريبا في مكون بالغ الأهمية للطاقة النظيفة.

أما المثال الأخطر فهو المعادن النادرة، التي تدخل في الهواتف والسيارات الكهربائية والأسلحة المتقدمة. بنت الصين هيمنة واسعة على تكريرها حتى تحكمت في جزء كبير من المعروض العالمي، وحين وقع خلاف سياسي مع اليابان قيدت الصادرات فاهتزت صناعات كاملة. هنا تتحول السيطرة من تجارية إلى أداة جيوسياسية: من يملك بداية السلسلة يؤثر في نهايتها. وتتكرر القصة في الأدوية والصلب وإضاءة الليد ومعدات الاتصالات والسيارات الكهربائية، وفي كل مرة النمط نفسه: سعر منخفض، حصة متزايدة، منافسون يتراجعون، ثم اعتماد يصعب الخروج منه.

والخطر لا يقع على الشركات وحدها، بل على الدول المستوردة. فحين تختفي الصناعة المحلية تختفي معها الوظائف والخبرة وسلاسل الموردين، وما يهدم في عشر سنوات قد يحتاج عشرين سنة ليبنى. وتصبح الدولة رهينة مورد واحد قد يرفع السعر أو يؤخر الشحنات أو يربط التوريد بمواقف سياسية. وعند الأزمات لا تنفع ذكريات الأسعار الرخيصة، لأن السؤال يصبح: هل نستطيع الحصول على المنتج أصلا؟

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التوازن. فليس كل منتج صيني رخيص مؤامرة، وليس كل سعر منخفض إغراقا. فالصين تمتلك مزايا صناعية حقيقية: بنية تحتية قوية، وعمالة واسعة، وشبكات توريد عميقة، واقتصاد حجم هائل. وكثيرا ما يكون انخفاض السعر نتيجة كفاءة حقيقية. كما استفاد المستهلكون، وخاصة في الدول النامية، من السلع الرخيصة التي جعلت الهواتف والأجهزة والطاقة الشمسية في متناول الملايين. حتى علماء الاقتصاد لا يتفقون على سهولة إثبات التسعير الافتراسي؛ فالاستراتيجية لا تنجح في كل سوق، وقد يعود المنافسون إذا ارتفعت الأسعار. فالصورة ليست سوداء بالكامل ولا بريئة بالكامل.

الحكمة إذن ليست في رفض كل رخيص، بل في قراءة ما وراء السعر. والسؤال الذكي ليس فقط: كم يكلف هذا المنتج اليوم؟ بل: ماذا سيكلفنا غدا إذا أصبحنا معتمدين عليه وحده؟ فالقيمة الحقيقية ليست في أرخص فاتورة، بل في المرونة وتنوع المصادر والقدرة على الإنتاج المحلي عند الحاجة. وهذا لا يعني أن نصنع كل شيء محليا، بل أن نحدد القطاعات الحساسة ونبني فيها حدا أدنى من القدرة، وننوع الموردين، ونحافظ على المعرفة الصناعية. فالأمن الصناعي لا يقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الدوائي أو العسكري.

السعر المنخفض قد يكون نعمة حين يكون ثمرة كفاءة حقيقية، وفخا حين يكون طعما لإخراج المنافسين والسيطرة على السوق. فالأسواق عزيزي القارئ لا تقاس بسعر اليوم فقط، بل بقدرة الغد. ومن يشتري الأرخص دائما دون حساب للمستقبل قد يكتشف لاحقا أنه لم يشتر سلعة رخيصة، بل باع استقلاله الصناعي بالتقسيط.

nabilalhakamy@