إرهاب الوجاهة ومقصلة الإكراه الأدبي
فرحان الذعذاع3 دقائق للقراءةحجم الخط
تنشأ في فضاءاتنا الاجتماعية ظواهر تدثر بغطاء الفضيلة والشهامة، بينما تنطوي في جوهرها على تشوهات بنيوية تصادر الإرادة الحرة، وتحول القيم السامية إلى أدوات للتحكم والسيطرة.
ولعل المشهد المتكرر لحشود الوجهاء وشيوخ العشائر وهم يتدفقون إلى منازل أولياء الدم للتوسط في عتق الرقاب، يمثل التجلي الأبرز لهذه المعضلة؛ إذ انحرفت هذه المساعي في كثير من صورها عن سياقها الإنساني والشرعي النبيل، لتتحول إلى ممارسة مغلفة بـ(الإكراه الأدبي) والابتزاز العاطفي.
إن استدعاء هذه التكتلات الغفيرة، وتكثيف حضور الشخصيات الاعتبارية في مجالس الطلب، باتا يوظفان - في الأغلب - لمحاصرة صاحب الحق نفسيا واجتماعيا. وحين يجد ولي الدم نفسه وجها لوجه أمام حشود غفيرة وألقاب براقة، تسلب منه القدرة على اتخاذ قرار حر ومستقل، ويوضع قسرا بين خيارين كلاهما مر: إما الرضوخ والتنازل تحت وطأة هذا الحرج الاجتماعي البالغ ليحوز لقبا فضفاضا، أو التمسك بحقه الشرعي والتاريخي ليواجه آلة اجتماعية صلبة تصمه بالتعنت وضيق الأفق.. إنه باختصار «إرهاب ناعم» يمارس ببراعة تحت عباءة المروءة!
ومع تتالي هذه المشاهد، تؤدي الحشود وظيفة تلميعية تعمل كممحاة اجتماعية؛ إذ تزيح الجريمة الأساسية من بؤرة الوعي العام، وتحيل المشهد بأكمله إلى ملحمة بطولية تدور حول إنقاذ الرقبة. وبذلك يتحول الجاني من شخص يقتضي العدل عقابه إلى محور لاهتمام النخبة، بينما يهمش الضحية الحقيقي وتدفن مأساته. ولا يتوقف هذا التشوه عند الحدود النفسية، بل يمتد لشرعنة «ديات فلكية» تخرج عن حدود العقل والمنطق؛ لتتحول قضايا الدم إلى سوق للمزايدات المغطاة بالحمية، ويساق أبناء المجتمع لدفع ملايين الريالات التي كان أولى بها سد عوز الفقراء وتنمية الإنسان، في استعراض وتباه متكلفَين في سياق يوجب الخجل والأسف.
وتكشف دوافع هذه الاستجابة المبالغ فيها لدى بعض الشخصيات عن أبعاد سيكولوجية مريرة؛ يتقدمها بريق النجومية السريعة الذي توفره المنصات الرقمية لتغذية النرجسية الفردية وصناعة النفوذ الوهمي على حساب المأساة، إلى جانب بروتوكولات المداهنة الاجتماعية، فضلا عن الهروب السهل من المسؤولية التنموية الحقيقية؛ إذ إن حضور مجلس لبضع ساعات وإلقاء خطبة منمقة أيسر بكثير من تبني قضايا صامتة تتطلب جهدا ومتابعة، كالبحث عن فرص عمل للشباب أو سداد ديون المعسرين.
إن التمادي في تمييع قضايا القصاص وحشد الوجاهات لإنقاذ الجناة يقود نحو أثر كارثي يمزق هيبة القانون؛ فحين يترسخ في ذهن الناشئة أن خلفهم حشودا قبلية وملايين تجمع بالهواتف عند ارتكاب الجرائم، يسقط الردع ويشيع الاستهتار بالأرواح. كما يكرس هذا السلوك طبقية مقيتة تعلن صراحة أن الجهود تستنفر لأجل العصبية والجاه، بينما تصمت الألسن عندما يتعلق الأمر بمحاربة الفقر والجهل والمرض.
وهنا تتجلى الحكمة في أبهى صورها حين نستحضر منهج ولاة أمرنا - حفظهم الله - في هذا البلد المبارك؛ فهم سادة العفو ودعاته الأصلاء، غير أن شفاعتهم وسعيهم لإحياء النفوس يترفعان عن مظاهر الصخب والتجييش الإعلامي، ويبرآن من ممارسة الإكراه الأدبي أو وضع ولي الدم في حرج ممتد. إنهم يمارسون الوجاهة بمفهومها الشرعي النبيل الذي يبتغي وجه الله دون أن يمس قدر أنملة من كرامة المجني عليه أو يجور على حقه المكفول؛ ليشكلوا بذلك الأنموذج الأسمى والقدوة الأحق بالاتباع، بدلا من هذه المهرجانات الاستعراضية التي تفرغ العفو من سكونه الإيماني إلى صخب المباهاة.
إن ما نراه في بعض هذه المحافل ليس إلا مسرحية اجتماعية؛ مخرجها العرف المتصلب، وأبطالها باحثون عن مجد شخصي، وضحيتها الحقيقية هو ولي الدم الذي يمارس ضده أشد أنواع الضغط تحت مقصلة «العيب السلوكي».
لقد آن الأوان لوعي مجتمعي وتشريعي حازم يضع حدا لإرهاب الوجاهة، ويعيد توجيه هذه الطاقات والأموال نحو إحياء معيشة الأبرياء وبناء المستقبل، بدلا من استهلاكها في غسيل آثار الجريمة وصناعة أبطال من ورق.
