في الثامن والعشرين من يوليو شاركت مقاتلات سعودية القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات على مواقع ميليشيات موالية لطهران شرق العراق، ردا على أكثر من ثلاثين هجوما بالمسيرات في اثنتين وسبعين ساعة طالت البنية النفطية السعودية. وبعدها بأربعة أيام أبلغ ولي العهد الرئيس الأمريكي تحفظ المملكة على ضربة واسعة كانت واشنطن على وشك تنفيذها، فألغيت. من قرأهما منفصلين ظنهما تناقضا، ومن قرأهما معا أدرك أنهما جملة واحدة؛ الرياض لا تعترض على القوة، بل على قوة بلا نظرية نصر.

فالمملكة في هذه الحرب أصبحت هدفا لا وسيطا. أصيبت رأس تنورة بمسيرة إيرانية مطلع مارس، وقالت وزارة الدفاع عند ضربات العراق إنها لا تسعى إلى التصعيد لكنها سترد على أي عدوان. وحدد وزير الخارجية سقف المطلوب؛ اتفاق ينهي الحرب، ويعيد أمن الملاحة في هرمز إلى ما كان عليه قبل الثامن والعشرين من فبراير، ويعالج قضايا الخلاف كافة. هذا تعريف نتيجة لا هدنة.

ما الذي تغير إذن؟ ليست قراءة الرياض لطهران، بل قراءتها لواشنطن. خمسة أشهر ودورة تكاد تكون منتظمة: تهديد، فإعلان ضربة، فإلغاء في الساعة الأخيرة، فهدنة تنهار؛ تكررت في أبريل مرتين، وفي مايو، وفي يونيو، ثم مطلع أغسطس. حتى مذكرة يونيو صار نصها موضع خلاف؛ واشنطن تقرأ فيها التزاما بفتح المضيق، وطهران تقرأ فيها حفظا لسلطتها عليه. والقوة التي تعلن ولا تستخدم، ثم تستخدم ولا تغير السلوك، ليست ردعا؛ إنها إعلان.

هنا يبدأ منطق المكالمة السعودية. من يرى بقاءه على المحك (إيران) لا يحسب الكلفة كمن يملك ما يخسره، ومن لا يملك ما يخسره لا يقاتل ليكسب بل ليجعل الخسارة جماعية. وليست هذه استعارة؛ فقبل ساعات من الضربة الملغاة نشرت وكالات مقربة من الحرس الثوري لائحة بمنشآت طاقة في السعودية وقطر والكويت والبحرين والإمارات وصفتها بأنها في مدى صواريخها، وسبق أن لوح باستهداف محطات التحلية، أي بماء الشرب. واللائحة سابقة موثقة لا تكهن؛ في مارس نشرت قائمة مماثلة ثم أصيبت منشآتها خلال أربع وعشرين ساعة.

والفاتورة معروفة لأنها دفعت مرة. حيث تقدر ريستاد إنرجي كلفة إصلاح بنية الطاقة الإقليمية بين 34 و58 مليار دولار، وخفض صندوق النقد نمو الدول الخليجية بنسب متفاوتة تظهر حجم الضرر من هذا الصراع ولحرب لا ناقة ولا جمل لدول الخليج فيها. ومع شح الذخائر الاعتراضية منذ الأسابيع الأولى تبقى المعادلة خاسرة بطبيعتها؛ صاروخ بملايين مقابل مسيرة بآلاف.

لهذا لم يكن التدخل انحيازا لطهران ولا تبرئة لسلوكها. كان تصرف دولة تملك كل شيء لتخسره، وقفت بين طرف لا يملك ما يخسره (إيران) وطرف لا يملك خطة (أمريكا). وحين تغيب الخطة لا تكون الضربة التالية أكثر من إذن بجولة انتقام تدفع فاتورتها على السواحل المقابلة (الخليج) لا في طهران.

والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى واشنطن ليس لماذا ترفض الرياض الضربة؟ بل: ما الذي كانت ستحققه ولم تحققه خمسة أشهر من القصف والتهديد المتناوبين؟ فالمنطقة اليوم ورشة مفتوحة لا مسرح عمليات، ومن يبني لا يترك تقويم سلوك جاره بيد من لا يملك خطة ولا يدفع الفاتورة.

Abdullah_Yabisi@