تتكرر مع كل إعلان لنتائج الميزانية العامة قراءة تختزل المشهد في رقم العجز أو حجم المصروفات، بينما تكشف القراءة الاقتصادية المتأنية أن الأهم ليس حجم الإنفاق، بل نوعيته وأهدافه، وهذا ما تؤكده نتائج الميزانية السعودية للربع الثاني من هذا العام 2026م، التي تعكس استمرار الدولة في تنفيذ استراتيجية مالية تستثمر في النمو، بدلا من الاكتفاء بإدارة الإيرادات.
فقد سجلت الإيرادات العامة نموا لافتا بنسبة 12% لتصل إلى 339 مليار ريال، مدعومة بارتفاع الإيرادات النفطية بنسبة 22% وارتفاع الإيرادات غير النفطية بنسبة 3%، إلى جانب استمرار نمو الإيرادات غير النفطية، وهو ما يعكس نجاح المملكة في تحقيق التوازن بين الاستفادة من قوة القطاع النفطي، والاستمرار في بناء مصادر دخل أكثر تنوعا واستدامة.
وفي المقابل، ارتفعت المصروفات بنسبة 11% لتبلغ 373 مليار ريال، لكن هذا الارتفاع لا ينبغي تفسيره باعتباره توسعا في الإنفاق الاستهلاكي، بل هو انعكاس مباشر لاستمرار الاستثمار في المشاريع الوطنية والقطاعات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي، فالزيادة في الإنفاق على الصحة والتعليم والمنافع الاجتماعية، إلى جانب استمرار الإنفاق على البنية التحتية والخدمات اللوجستية والدفاع، تمثل استثمارا في التنمية وفي رأس المال البشري، وتعزيزا لقدرات الاقتصاد على تحقيق نمو طويل الأجل.
ومن هنا، فإن العجز المسجل البالغ 34 مليار ريال لا يمثل مصدر قلق بقدر ما يعكس تطبيق سياسة مالية محسوبة، تستفيد من الملاءة المالية للمملكة وتصنيفها الائتماني المرتفع لتوظيف التمويل في مشروعات تحقق عوائد اقتصادية مستقبلية، والأهم أن الحكومة نجحت في تأمين نحو 90% من احتياجات الاقتراض للعام الجاري، بما يؤكد كفاءة التخطيط المالي ومرونة إدارة الدين العام.
وتتسق هذه النتائج مع مؤشرات الاقتصاد الكلي، التي تظهر نمو الناتج المحلي وتحسن الحساب الجاري، وانخفاض البطالة إلى مستويات تاريخية، وارتفاع الائتمان الممنوح للقطاع الخاص، واستمرار توسع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهي مؤشرات تؤكد أن الإنفاق الحكومي ينعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي وثقة القطاع الخاص.
المملكة لا تدير ميزانية سنوية فحسب، بل تنفذ خطة اقتصادية طويلة المدى، فارتفاع المصروفات اليوم هو استثمار في اقتصاد أكثر تنافسية، وخدمات أفضل وفرص عمل أكبر، وقاعدة إنتاجية أكثر تنوعا. وعندما يقترن هذا الإنفاق بارتفاع الإيرادات وتحسن المؤشرات الاقتصادية، فإن الحديث لا يكون عن عجز مالي، بل عن استثمار مدروس لمستقبل أفضل.
مصروفات الميزانية.. عندما يصبح الإنفاق استثمارا
برجس حمود البرجس2 دقائق للقراءةحجم الخط
