يتجدد النقاش اليوم حول أولوية القطاعات الاقتصادية في التنمية المستدامة. فبينما يرى فريق في الاقتصاد الخدمي طريقا سريعا لتشغيل الشباب، يؤكد آخر على أن الصناعة هي الركيزة الحقيقية للاقتصاد المنتج القادر على استيعاب الأيدي العاملة وتنمية مهاراتها. والفرق جوهري، فالصناعة قطاع إنتاجي يخلق قيمة مضافة حقيقية بتحويل المواد الخام إلى منتجات قابلة للتصدير، ويمتد أثره إلى النقل والطاقة والتكنولوجيا. بينما الاقتصاد الخدمي الاستهلاكي القائم على المقاهي والمطاعم والضيافة فيظل محدود القدرة على خلق ثروة قابلة للتصدير، ومساهمته في تشغيل العمالة المحلية ضعيفة، ولا يسهم في نقل التكنولوجيا أو بناء قدرات ومهارات إنتاجية مستدامة.

إن من أبرز مزايا القطاع الصناعي قدرته الفائقة على استيعاب أعداد كبيرة من الأيدي العاملة بمستويات مهارية متنوعة، تمتد من العمالة غير الماهرة إلى المهندسين والفنيين المتخصصين. وتشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO) إلى أن حصة التصنيع من إجمالي التوظيف في الدول النامية تبلغ نحو 13.7%. وهذه النسبة وإن بدت متواضعة، إلا أنها تحمل في طياتها أثرا تنمويا عميقا، إذ توفر الصناعة أجورا أعلى ومزايا أفضل ومسارات واضحة لتطوير المهارات، على النقيض من قطاعات الخدمات التقليدية التي لا تبني قدرات تقنية قابلة للتراكم ولا تؤهل الشباب لشغل وظائف المستقبل. وهذا ما تؤكده تجارب دولية راسخة. فعلى سبيل المثال تحولت كوريا الجنوبية من دخل فردي لا يتجاوز 80 دولارا سنويا إلى قوة صناعية عالمية، اعتمدت منذ سبعينيات القرن الماضي على سياسات صناعية طموحة جعلت منها اليوم رقما صعبا في تطوير التكنولوجيا وصناعة السيارات. وفي ألمانيا، يحافظ التصنيع على حصة تتراوح بين 20 و23% من الناتج المحلي، مدعوما بنظام التعليم المزدوج الفريد الذي يشترك فيه أكثر من 50% من الألمان، مما يخلق قوة عاملة ماهرة ويحافظ على معدلات بطالة منخفضة بين الشباب. أما الصين، فتمثل نموذجا معاصرا بنسبة تصنيع قاربت 30% من ناتجها المحلي، وبقيمة مضافة للتصنيع بلغت 27.71% من الإجمالي العالمي بحلول عام 2024، حيث يتزايد إقبال خريجيها على العمل في المصانع الذكية.

وعلى الصعيد المحلي، ورغم تنامي استثمارات رجال الأعمال في قطاعات الخدمات والمقاولات والاستهلاك بشكل ملفت، مع تردد واضح في المغامرة بالاستثمار الصناعي الذي تتطلب عوائده صبرا طويلا، فإن الدولة أدركت أن تحويل مسار الاستثمار يحتاج إلى حوافز ملموسة، فاستحدثت حزمة من المبادرات الطموحة، في مقدمتها "برنامج الحوافز المعيارية للقطاع الصناعي" الذي خصصت له 10 مليارات ريال، ليقدم دعما ماليا مباشرا يغطي ما يصل إلى 35% من قيمة الاستثمار الأولي للمشروع، وبما لا يتجاوز 50 مليون ريال، يصرف نصفها خلال مرحلة الإنشاء والنصف الآخر عند بدء الإنتاج. ويستهدف هذا البرنامج قطاعات حيوية كالصناعات الكيميائية التحويلية وصناعة السيارات والآلات والمعدات. وقد لاقت هذه المبادرة إقبالا لافتا، إذ تجاوزت قيمة الاستثمارات المستفيدة 24 مليار ريال، مع توقيع 9 مشاريع بقيمة ملياري ريال، ودراسة طلبات لأكثر من 300 مشروع إضافي، إلى جانب مبادرات داعمة أخرى كالإعفاءات الجمركية للمصدرين، وحوافز المناطق الاقتصادية الخاصة التي تمنح إعفاء ضريبيا يصل إلى 20 عاما، وصندوق التنمية الصناعية كممول رئيسي للقطاع.

ولا يقتصر أثر هذه الاستثمارات على جدران المصانع، بل يمتد ليكون قوة حقيقية دافعة للبحث العلمي والابتكار في الجامعات ومراكز الأبحاث، خاصة في مجال الصناعات المتقدمة. فالاستثمار الصناعي يخلق طلبا متزايدا على حلول تقنية وعلمية، مما يحول الأبحاث الأكاديمية من أبراج عاجية إلى منتجات قابلة للتطبيق، ويشكل جسرا متينا بين الجامعة والسوق. وقد طبقت كوريا مثل هذا النموذج في بناء نهضتها وجسدته ألمانيا بتركيزها على التعليم المزدوج، وتتبعه الصين اليوم في صناعاتها الذكية التي جذبت إليها نخبة الشباب.

خلاصة القول: الصناعة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل مساحة عملية تجمع التدريب الميداني والإبداع والقيمة الوطنية وفرص العمل الحقيقية. وبالتالي فإن الدعوة إلى الاستثمار الصناعي ليست وعودا نظرية، بل فتح أبواب على حوافز قائمة وفرص واضحة ومستقبل ملموس على أرض الواقع.

بالرغم من أن القطاع الخدمي قد يحقق أرباحا سريعة لكنها غالبا هشة وقصيرة الأجل. أما التوجه الصناعي فيقف على أرض أكثر ثباتا، بنمو مستدام وعوائد تتراكم، ويفتح أمام الشباب فرصا ثمينة للتدريب الاحترافي والتوظيف النوعي. فالخيار اليوم واضح: إما اقتصادا خدميا محدودا يكرس التبعية ويحد من الابتكار، وإما اقتصادا صناعيا منتجا يبني نهضته على الاستثمار الجاد والعلم. في هذا المسار يجد رجل الأعمال عائدا مجزيا ومكانا في صدارة المشهد التنموي، وفرصة ليكون شريكا في بناء مستقبل الاقتصاد الوطني، حيث يلتقي الربح بالإنجاز والصناعة بالريادة.