الكرسي الفارغ
فهيد العديم3 دقائق للقراءةحجم الخط
في زاوية المجلس.. كرسي لا يلفت الانتباه، إلا لمن يعرف الحكاية.
ليس أقدم الكراسي، ولا أفخمها، ولا أكثرها راحة، ومع ذلك ظل سنوات يحتل المكان نفسه، وكأنه اختار موقعه قبل أن تبنى الجدران، منذ رحل صاحبه، لم يجرؤ أحد على الجلوس عليه طويلا، يجلس دقيقة، ثم يقوم، كأن الكرسي يهمس في أذنه «هذا ليس مكانك»! وأقسم أنني رأيته مرة يتنهد.. لا تستغربوا فالكراسي التي شهدت الرجال، لا بد أن تتعلم شيئا من طباعهم!
كان صاحبه واحدا من أولئك الذين لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم ليصمت الجميع، إذا دخل المجلس، دخلت معه هيبة لا تشترى، وإذا تكلم، أنصت الناس لأنهم يحترمون الرجل، لا لأنهم يخشون سلاطة لسانه أو عدسة كاميرته! كان يعرف متى يروي حكاية، ومتى يقطع جدالا، ومتى يصب فنجان القهوة بنفسه لضيف جاء متأخرا.
ثم رحل.. وبقي الكرسي موظفا وحيدا في وزارة الذكريات!
في البداية ظن أن الأمور ستبقى كما كانت، وأن الرجال الذين تربوا في ذلك المجلس سيحرسون هيبته، لكنه اكتشف أن العالم تغير أسرع مما يحتمل خشب عجوز.
في أحد الأيام، دخل شاب يحمل هاتفه أمامه كما يحمل المصور كاميرا فيلم وثائقي، لم يسلم أولا، بل فتح العدسة، دار بها على الفناجين، ثم على المبخرة، ثم على الحاضرين، حتى مر أمام الكرسي.. أقسم أن الكرسي انكمش قليلا.. ربما خجل!
وربما تذكر زمنا كانت فيه المجالس تحفظ بالصدور، لا بسعة التخزين.
كان صاحبه يقول قديما «المجلس أمانة» لكن أما اليوم، فيبدو أن بعض المجالس تحولت إلى استوديو متنقل، يدخلها الناس ليجمعوا محتوى أكثر مما يجمعون مودة، القهوة لا تشرب حتى تصور، والتمر ينتظر الإذن من الكاميرا قبل أن يؤكل، والضيف المسكين يخشى أن يبتسم فيجد نفسه بطلا في قصة لا يعلم عنها شيئا!
ثم جاءت موضة الاستعراض، كان الرجل الكبير يدخل بثوبه وساعته القديمة وعصاه، فلا يسأل أحد عما يملك، لأن الجميع منشغل بما يملكه هو من خلق وحكمة.
اليوم تدخل بعض الساعات قبل أصحابها، وتسبق أسماء الماركات أسماء الرجال، ويصبح الحديث عن السيارة أطول من الحديث عن صاحبها!
أما الكرسي، فيراقب المشهد بصبر الخشب.. ثم ينظر إلى الوجوه.
خمسة رجال يجلسون حول صينية القهوة، لكن المجلس صامت، ليس وقارا.. بل لأن كل واحد منهم منشغل بهاتفه، يحادث شخصا في مدينة أخرى، ويتجاهل من يبعد عنه نصف متر، لم يعد أحد يصغي، الكل ينتظر دوره ليتحدث، أو فرصته ليقاطع، أو لحظة مناسبة يروي فيها إنجازه الأخير، وكأن المجالس تحولت إلى مؤتمر صحفي، يتنافس فيه الجميع على لقب «المتحدث الرسمي عن نفسه»!
حتى المجاملات تغيرت، قديما كان الرجل يقول كلمة طيبة ثم يسكت، أما اليوم قد يمتد المديح حتى تشك أن المتحدث يقرأ إعلانا تجاريا.
الكرسي وحده لم يتغير.
ما زال في مكانه، لا يصور أحدا، ولا يقاطع أحدا، ولا يرفع صوته، ولا يبحث عن زاوية أفضل للظهور.
كل ما يفعله أنه ينتظر... ربما رجلا يشبه ذلك الذي رحل، وربما مجلسا يشبه المجالس التي عرفها!
لكنني، كلما خرجت من ذلك المجلس، أشعر أن الكرسي لم يكن ينتظر عودة صاحبه... كان ينتظر عودة الرجال الذين يجعلون الكراسي مجرد أثاث، لا أبطالا يضطرون إلى رواية ما حدث بعدهم!
