استراتيجية السعودية في إدارة محاور الصراع الثلاثة في ضوء القانون الدولي
عبدالله قاسم العنزي3 دقائق للقراءةحجم الخط
تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من التوتر الإقليمي المتشابك نتيجة تعدد بؤر الصراع وتداخل أبعادها السياسية والعسكرية والأمنية، الأمر الذي يجعل إدارة هذه الصراعات أكثر تعقيدا من مجرد التعامل مع أحداث منفصلة، ومن هنا وسط المشهد المعقد تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها دولة ذات ثقل إقليمي ودولي، تتحمل مسؤوليات تتجاوز حدودها الجغرافية لتشمل المحافظة على أمن المنطقة واستقرارها. ومن ثم، فإن فهم السياسة السعودية لا يكون من خلال ردود الأفعال الآنية، وإنما من خلال قراءة استراتيجيتها في إدارة الصراع في إطار المصالح الوطنية وقواعد القانون الدولي.
وتقوم الاستراتيجية السعودية على مبدأ أن إدارة الصراع تختلف عن خوض الصراع؛ فليست الغاية توسيع دائرة المواجهة، وإنما السيطرة على مسارها بما يحقق الأمن ويحد من المخاطر. ولذلك، فإن المملكة لا تعتمد في قراراتها على عامل الزمن وحده، بل توازن بين المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية والاعتبارات القانونية وفق القانون الدولي قبل اتخاذ أي قرار. ولهذا، فإن تأخر بعض القرارات لا يعبر عن تردد أو ضعف، وإنما يمثل جزءا من عملية تقدير دقيقة للمآلات والنتائج المحتملة.
وتواجه المملكة ثلاثة محاور رئيسة للصراع الإقليمي، يتمثل أولها في المحور الإيراني الذي يقوده الحرس الثوري، وثانيها المحور اليمني الذي تمثله مليشيات الحوثي الإرهابية، وثالثها المحور العراقي الذي تمثله المليشيات المسلحة الخارجة عن القانون. وتختلف طبيعة كل محور من حيث أدواته وأهدافه وأساليب عمله، الأمر الذي يقتضي اختلاف وسائل التعامل معه. ومن ثم، فإن تنوع السياسات السعودية تجاه هذه المحاور لا يعني اختلاف الأهداف الاستراتيجية، وإنما يعكس مرونة في إدارة الصراع وفق طبيعة كل تهديد.
ولهذا السبب، تعتمد المملكة على منظومة متكاملة من الأدوات تشمل العمل السياسي والدبلوماسي، والتنسيق الأمني والأممي، والوسائل الاقتصادية، والقدرات العسكرية، بحيث تستخدم كل أداة في موضعها المناسب. فالقوة العسكرية ليست الخيار الأول، كما أنها ليست الوسيلة الوحيدة، وإنما تبقى إحدى أدوات الدولة التي تلجأ إليها عندما تقتضي الضرورة حماية أمنها وسيادتها. ويؤكد هذا النهج أن نجاح إدارة الصراع يقاس بقدرة الدولة على تحقيق أهدافها بأقل قدر ممكن من الخسائر، لا بكثرة المواجهات العسكرية.
ويعد الردع أحد أهم عناصر هذه الاستراتيجية، إلا أن مفهومه لا يقتصر على استخدام القوة المسلحة، بل يشمل التأثير في حسابات الخصوم ومنعهم من الإقدام على أعمال تهدد الأمن والاستقرار. ولذلك، فإن أي استخدام مشروع للقوة لا يكون غاية في ذاته، وإنما وسيلة لحماية المصالح الوطنية ورد الاعتداءات ومنع تفاقم الأزمات. كما أن الرسائل العسكرية التي قد توجهها المملكة في بعض المواقف لا تستهدف توسيع النزاع، وإنما تهدف إلى تعديل سلوك الأطراف المعتدية وإعادة التوازن بما يحفظ أمن المنطقة.
ومن الناحية القانونية، تستند هذه الاستراتيجية إلى المبادئ المستقرة في القانون الدولي، وفي مقدمتها حق الدول في الدفاع الشرعي عن النفس عند التعرض لاعتداء مسلح، ولذلك، فإن تقييم أي إجراء تتخذه المملكة لا ينبغي أن يكون بمعزل عن الظروف التي فرضته، ولا عن طبيعة التهديدات التي تواجهها، ولا عن مدى اتفاق ذلك الإجراء مع قواعد القانون الدولي التي تنظم استخدام القوة المشروعة.
وفي المحصلة، فإن الاستراتيجية السعودية في إدارة محاور الصراع الثلاثة تقوم على الجمع بين الحكمة والحزم، وبين الردع وضبط النفس، وبين حماية الأمن الوطني والمحافظة على الاستقرار الإقليمي. وهي استراتيجية تنظر إلى النتائج بعيدة المدى أكثر من اهتمامها بردود الأفعال المؤقتة، وتوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات القانونية الدولية. ومن ثم، فإن نجاحها لا يقاس بسرعة اللجوء إلى القوة، وإنما بقدرتها على حماية الدولة، وتعزيز أمن المنطقة، وتحقيق الاستقرار وفق المبادئ التي يقرها القانون الدولي.
