حين يفكر عنا الذكاء الاصطناعي.. هل تتوقف عقولنا عن التفكير؟
برجس حمود البرجس2 دقائق للقراءةحجم الخط
قدم أحد الأساتذة الجامعيين تجربة لافتة، إذ أخفى جملة داخل أحد أسئلة الاختبار باللون الأبيض بحيث لا تظهر إلا عند النسخ واللصق، وكانت على ملف مايكروسوفت وورد. وكان هدفه معرفة من سينقل السؤال مباشرة إلى ChatGPT ثم ينسخ الإجابة دون مراجعة، وكانت النتيجة صادمة، إذ وقع 91% من الطلاب في فخ «النسخ واللصق العمياني»، فلم يقرأوا السؤال أو الإجابة بعناية، في مؤشر واضح على تنامي الاعتماد غير الواعي على الذكاء الاصطناعي.
لم يعد السؤال: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل ما الذي سيتوقف الإنسان عن فعله بسبب الذكاء الاصطناعي؟ فمع قدرته على كتابة التقارير وتحليل البيانات وإدارة المشاريع وصناعة التوصيات، يبرز سؤال أكثر عمقا: هل نبني مؤسسات أكثر ذكاء، أم نصنع أجيالا أقل تدريبا على التفكير، وأقل ممارسة للمهارات التي تصنع الخبرة؟
المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في الإنسان عندما يتخلى تدريجيا عن أهم مهاراته العقلية، فالعقول لا تنضج بامتلاك المعلومات، وإنما بالتدرب على البحث والتحليل والمقارنة والاستنتاج وصناعة القرار وتحمل نتائجه، ولذلك لم يصبح القائد أو المستثمر أو المدير محترفا بفضل الإجابات الجاهزة، بل عبر سنوات من ممارسة التفكير التحليلي والتفكير الاستراتيجي والتفكير المنطقي، وكذلك التجارب والأخطاء والتعلم منها والتجارب الناجحة.
فماذا سيحدث عندما يصبح الذكاء الاصطناعي هو من يبحث ويحلل ويقارن ويقترح وربما يختار أفضل قراراتنا؟ قد نحصل على إجابات أفضل، لكن هل سنمتلك عقولا أفضل؟ سيبقى الفارق كبيرا بين من يعرف الإجابة، ومن يعرف كيف وصل إليها.
إن أخطر ما قد نفقده ليس الوظائف ولا بعض المهارات التقنية، بل عادة التفكير نفسها وممارستها كثيرا، فالتفكير الاستراتيجي والمنطقي والتحليلي وتحليل المخاطر وربط الأسباب بالنتائج، مهارات تضعف عندما نتوقف عن استخدامها، وكما يفقد الرياضي لياقته إذا توقف عن التدريب، يفقد العقل مرونته إذا توقف عن ممارسة التفكير، وكل قرار تتخذه الآلة بدلا عنا هو فرصة تدريب ضائعة.
ربما يخرج لنا بعد سنوات جيلا يجيد استخدام الذكاء الاصطناعي، لكنه يعجز عن تحليل المشكلات بنفسه، ويمتلك معلومات أكثر من أي جيل سبق، بينما مارس التفكير أقل من أي جيل مضى. لذلك لا تقتصر مسؤولية الجامعات والشركات على تعليم استخدام الذكاء الاصطناعي، بل تشمل حماية مهارات التفكير، وتعليم الأجيال أن تستخدمه بعد التفكير لا بدلا منه.
الذكاء الاصطناعي سيصبح متاحا للجميع، ولن يكون ميزة تنافسية بحد ذاته، أما العقل الذي اعتاد التفكير، وتدرب على التحليل، وتعلم من التجربة، فسيبقى الثروة الحقيقية التي لا يمكن نسخها، وقد يكون أكبر إنجاز للذكاء الاصطناعي تسريع الأعمال، لكن أكبر خسارة قد نتكبدها هي أن نصبح أقل ممارسة للتفكير.
