عندما زرت مدينة سالم في ولاية ماساتشوستس، لم أكن أزور مجرد مدينة أمريكية صغيرة تحتفظ بمبان قديمة. كنت أزور مكانا أصبح اسمه مرادفا لواحدة من أكثر لحظات التاريخ الأمريكي ظلمة: محاكمات السحر عام 1692.

في سالم، لم تكن المأساة في الاعتقاد بالسحر وحده، بل في اللحظة التي تحول فيها ذلك الاعتقاد إلى نظام قضائي، وأصبح الخوف دليلا، والشائعة شهادة، والاتهام طريقا إلى الموت.

المدينة اليوم مختلفة. متاحف ولوحات تذكارية ومقابر قديمة تروي جانبا من القصة، فيما تحولت صورة الساحرة إلى جزء من اقتصاد المدينة. لكن خلف هذه الصورة تقف حكاية مجتمع فقد توازنه، وسلطة مرتبكة، وقضاء سمح للهلع الجماعي بأن يدخل قاعة المحكمة ويصدر أحكامه باسم القانون.

قبل انتهاء الأزمة، أعدم تسعة عشر شخصا شنقا، بينهم أربع عشرة امرأة وخمسة رجال. ومات جايلز كوري تحت ثقل الحجارة، بعدما رفض أن يجيب المحكمة، ومات آخرون في السجون.

كان يمكن أن يكون عدد الضحايا أكبر. ففي ذروة المحاكمات، اتسعت دائرة الاتهام بلا حدود. لم تعد التهمة تطال الفقراء والمنبوذين فقط، بل اقتربت من شخصيات معروفة وعائلات نافذة. وعندما وصل الخوف إلى أبواب النخبة، بدأ بعض رجال الدين والسياسة يدركون أن ما يجري لم يعد بحثا عن العدالة، بل آلة اتهام خرجت عن السيطرة.

من الصعب اليوم أن نفهم كيف صدق مجتمع كامل ادعاءات بأن أرواحا شريرة تهاجم فتيات صغيرات، أو كيف قبل القضاة بما عرف بـ«الدليل الطيفي»، أي شهادة شخص بأنه رأى شبح المتهم أو روحه تعذبه في المنام.

لكن ماساتشوستس في القرن السابع عشر لم تكن أمريكا التي نعرفها اليوم. كانت مستعمرات نيو إنجلاند مجتمعات دينية صارمة، يقوم تصورها للعالم على قراءة حرفية للنصوص الدينية. وكان الشيطان، في وعيهم، قوة حقيقية تتحرك داخل المجتمع، لا رمزا أخلاقيا. كما كانت ممارسة السحر جريمة يعاقب عليها بالموت.

لهذا لم تكن فكرة المحاكمة نفسها غريبة تماما آنذاك. السؤال الأهم ليس لماذا آمن سكان سالم بالسحر؟ بل لماذا انفجرت الأزمة هناك؟ وفي عام 1692 تحديدا.

الإجابة تبدأ من السياسة.

في عام 1684، ألغى الملك تشارلز الثاني الميثاق التأسيسي لمستعمرة خليج ماساتشوستس، لإخضاعها لسلطة التاج. لم يكن الميثاق بالنسبة إلى السكان مجرد وثيقة إدارية، بل أساسا لاستقلالهم المحلي وجزءا من هويتهم السياسية والدينية.

ثم جاءت الهزيمة العسكرية عام 1690، حين أرسلت ماساتشوستس حملة لمهاجمة كيبيك ردا على الصراع مع فرنسا وغارات حلفائها الأصليين. انتهت الحملة بفشل كبير، وتركت المستعمرة مثقلة بالديون والخوف.

بالنسبة إلى المجتمع البيوريتاني، لم تكن الهزيمة عسكرية فقط. فقد اعتاد السكان قراءة الانتصارات والهزائم باعتبارها مؤشرات على الرضا الإلهي أو العقاب. ومن هنا خرج السؤال: لماذا سمح الله للفرنسيين الكاثوليك بالانتصار عليهم؟

في هذا المناخ، بدأت فتاتان صغيرتان في منزل القس صموئيل باريس تعانيان من نوبات وتشنجات غريبة. ومع انتشار القصة، ظهرت حالات أخرى، وبدأت الاتهامات تتجه إلى عدد من النساء، أبرزهن تيتوبا، وهي امرأة مستعبدة كانت تعمل في منزل القس.

تحت الضغط، اعترفت تيتوبا بممارسة السحر، وتحدثت عن وجود ساحرات أخريات داخل المجتمع.

كان ذلك الاعتراف الشرارة التي أشعلت الحريق.

انتقلت القضية من منزل القس إلى القرية، ثم إلى مناطق أخرى في ماساتشوستس. دخلت عشرات الأسماء، ثم مئاتها، دائرة الشك. وبدأ المجتمع يعيد تفسير خلافاته القديمة وخصوماته الشخصية من خلال لغة السحر والشيطان.

الأكثر مأساوية أن الاعتراف الكاذب أصبح طريقا إلى النجاة، بينما تحول الإصرار على البراءة إلى طريق نحو المشنقة. من اعترف ووافق على اتهام آخرين منح المحكمة ما تبحث عنه. أما من تمسك ببراءته، فقد بدا كأنه يواصل الكذب.

وهنا انهارت العدالة من داخلها.

لم يعد النظام يبحث عن الحقيقة، بل عن إجابات تؤكد الرواية التي تبناها مسبقا. أصبح المتهم أمام خيارين: أن يكذب ليعيش، أو يقول الحقيقة ويموت.

حذر القس إنكريس ماذر من الاعتماد على الأدلة الطيفية، وكتب فكرته الأشهر: من الأفضل أن يفلت عشرة مشتبه بهم من العقاب على أن يدان شخص بريء واحد. كانت أهمية العبارة أنها وضعت حدودا لما يمكن للقضاء أن يفعله باسم حماية المجتمع. الخوف من الجريمة لا يبرر قبول أي دليل.

انتهت المحاكمات بسرعة تشبه بدايتها. تراجع القبول بالأدلة الطيفية، وحلت المحكمة الخاصة، ثم أطلق سراح كثير من المتهمين. وبعد سنوات، قدمت اعتذارات، ورد الاعتبار إلى عدد من الضحايا، ودفعت تعويضات لبعض الناجين وعائلات من أعدموا.

لم تعد التعويضات أرواح الموتى، ولم يمح الاعتذار ما حدث. لكنه كشف أن المؤسسات يمكن أن تخطئ، وأن القانون قد يتحول إلى أداة للظلم عندما يدار تحت ضغط الخوف.

وهنا تكمن أهمية سالم.

لم تكن المحاكمات نتيجة الدين وحده، بل نتيجة اجتماع الدين بالخوف السياسي، والهزيمة العسكرية، والقلق الاقتصادي، والصراعات الاجتماعية، وغياب معايير الإثبات. الدين وفر اللغة التي فسرت بها الأزمة، لكن الخوف هو الذي حركها، والقضاء الضعيف حولها إلى مأساة.

عندما غادرت سالم، بقي سؤال واحد حاضرا: هل أصبحت المجتمعات الحديثة أكثر عقلانية فعلا؟

ربما تغيرت الاتهامات، ولم نعد نحاكم الناس بتهمة السحر. لكن الهلع الجماعي لم يختف، والشائعات ما زالت قادرة على تدمير السمعة والحياة، والضغط الشعبي يستطيع دفع المؤسسات إلى إصدار أحكامها قبل ظهور الأدلة.

لهذا لم تنته قصة سالم عام 1692.

إنها تحذير دائم من اللحظة التي يصبح فيها الخوف أقوى من القانون، والاتهام أقوى من الدليل، وصوت الجماعة أعلى من حق الفرد في العدالة.