في إحدى الحدائق العامة، تعثر طفل أثناء الركض وسقط على الأرض. لم يلتفت إلى ركبته ليتفقد موضع الألم، ولم يبدأ بالبكاء كما توقع من حوله. رفع رأسه سريعا، وأخذ يبحث بعينيه بين الوجوه حتى وجد أمه. لحظة قصيرة التقت فيها نظراتهما، فابتسمت له بهدوء، فنهض، ونفض الغبار عن ملابسه، وعاد إلى الركض وكأن شيئا لم يكن.

قد يبدو المشهد عابرا، لكنه يختصر حقيقة عميقة عن الإنسان. ففي لحظات الارتباك، لا يكون أول ما نبحث عنه هو تفسير ما حدث أو طريقة تجاوزه، وإنما شعور يطمئننا أن العالم ما زال مكانا يمكن احتماله. وكأن النفس، قبل أن تواجه الألم، تبحث عمن يمنحها القدرة على مواجهته.

هذه الفطرة لا تغادر الإنسان عندما يكبر، وإنما تتبدل صورها. فالموظف الذي يواجه أزمة في عمله، والمريض الذي ينتظر نتيجة فحص، والطالب الذي يخشى الإخفاق، جميعهم يبحثون، في لحظاتهم الأولى، عن شيء واحد: مساحة من الأمان تعيد إلى أفكارهم اتزانها قبل أن يبدأوا في البحث عن الحلول.

ولعل ما يلفت الانتباه أن الإنسان لا يتعامل مع الألم بوصفه إحساسا فقط، بل بوصفه تجربة يحاول أن يفهمها. لذلك يختلف وقع المصيبة نفسها باختلاف شعورنا لحظة وقوعها. قد يتغير الألم قليلا، لكن الذي يتغير كثيرا هو قدرتنا على احتماله. ولهذا، فإن كلمة مطمئنة، أو حضورا هادئا، قد يبدل طريقة رؤيتنا للمشكلة، حتى قبل أن تتبدل المشكلة نفسها.

وهنا تظهر واحدة من مفارقات عصرنا. فالعالم لم يكن يوما غنيا بالحلول كما هو اليوم؛ كتب، ودورات، ومحتوى لا ينتهي يخبرنا كيف ننجح، وكيف نتجاوز الخسارة، وكيف نتعامل مع القلق والضغوط. ومع ذلك، يزداد شعور الإنسان بالوحدة. ربما لأن المشكلة لم تعد في نقص الإجابات، وإنما في ندرة من يمنحنا شعورا بأننا لسنا وحدنا ونحن نبحث عنها.

ومع تسارع إيقاع الحياة، أصبحنا نتعامل مع المشاعر كما لو كانت أعطالا تحتاج إلى إصلاح سريع. يقول أحدهم «أنا متعب»، فنبادله بقائمة من النصائح قبل أن نتيح له فرصة التعبير عما يشعر به. اعتدنا أن نستجيب بعقولنا قبل أن نصغي بقلوبنا، حتى أصبح الإصغاء نفسه مهارة تتراجع أمام إيقاع السرعة والرغبة في الوصول إلى النتيجة.

غير أن الإنسان لا يتحرك بالمنطق وحده. فالثقة تسبق المبادرة، والأمان يسبق التجربة، والطمأنينة تمنح العقل فرصة ليرى الخيارات بوضوح. ولهذا، فإن كثيرا من القادة الناجحين، والمعلمين الملهمين، والآباء الذين يتركون أثرا عميقا، لا يملكون دائما أفضل الحلول، لكنهم يملكون القدرة على أن يجعلوا من حولهم يشعرون بالأمان الكافي للمحاولة، وللخطأ، وللبداية من جديد.

ولا يقتصر ذلك على الأفراد، فحتى المجتمعات تبنى على الشعور بالثقة قبل أن تبنى على الأنظمة. فالابتكار يزدهر حين يشعر الإنسان أن الخطأ لن يحكم عليه، والتعلم يتسع عندما يصبح السؤال موضع تقدير لا موضع تردد، والعلاقات تنمو عندما يسبق الاحتواء إصدار الأحكام.

ومن اللافت أن أكثر الأشخاص حضورا في ذاكرتنا ليسوا دائما أصحاب النصائح الأذكى، وإنما أولئك الذين خففوا عنا ثقل اللحظة. لا نتذكرهم لأنهم حلوا مشكلاتنا، بل لأنهم جعلونا نؤمن أننا قادرون على مواجهتها.

ذلك الطفل الذي سقط في الحديقة لم يكن يعرف شيئا عن علم النفس، لكنه عرف بفطرته ما ينساه كثير من الكبار؛ أن الجرح يستطيع أن ينتظر دقائق، أما الطمأنينة فلا تحتمل التأجيل.

فالإنسان، منذ خطوته الأولى في الحياة، لم يكن يبحث عن طريق يخلو من السقوط... بل عن وجه يطمئنه كلما سقط.