أنا أعتقد أننا نعيش فوضى في اختيار الأشخاص الذين يتولون مناصب إدارية، تميز الموظف في مهمة معينة ليس بضرورة أن يكافأ بمنصب إداري، إدارة البشر والعمليات تتطلب حزمة مختلفة تماما من المهارات، وغيابها يجعل المنصب عبئا ثقيلا على صاحبه، والتكلفة باهظة على بيئة العمل برمتها، ويضع المنشأة في حرج شديد للتراجع عن قرار التعيين، وهنا تتولد وتستمر المشاكل في بيئة العمل التي بطبيعتها حساسة لأي توترات أو مناقشات حادة لعدم وضوح المسؤوليات والمهام ومن ثم ارتباطها بالإنجاز والأهداف المنوطة بالموظفين أو حتى الحوافز والمكافآت المتربة عليها، واتساع الفجوة والحساسية بين الموظفين والمدير الجديد، وباعتقادي، معايير اختيار المدير الجديد بالنسبة لي غير واضحة ولا أعرف أن هناك دليلا أو لائحة للاختيار، وقد تكون الفكرة لا تتعدى "شختك بختك" أو "اكشط واربح"، أو الرغبة في وجوه جديدة لعل وعسى أن يكون القدر حليفنا وتجبر كل الخواطر، لكن الواقع مرير وقد يكون أسوأ، والغريب أنهم يفتقدون إلى مهارات الإدارة أو القيادة، وليس لديهم خبرات سابقة في المجال أو في إدارة العمل الحالي وكيفية التعامل مع الموظفين واستثمار الكفاءات والخبرات الموجودة، هذا الأمر يؤدي إلى ترهل الهياكل الإدارية، وتفكيك المسؤوليات، وبناء "المصدات البشرية" للقيادات غير الكفؤ التي تخشى اتخاذ القرارات ومواجهة الأزمات والمسؤوليات، فتقوم بتعيين سلسلة أخرى من المديرين المتوسطين ليكونوا بمثابة "دروع بشرية" يتخفون وراءها، ويلقون عليهم لائمة أي فشل تنظيمي.

والسؤال هنا: هل تم اختيار المدير أو القائد الأنسب لهذه المناصب؟

في دراسة صادمة من مؤسسة "غالوب" الشهيرة في واشنطن، انتهت إلى نتائج مخيفة ومرعبة: فشل اختيار الشخص ذي الكفاءة المناسبة للإدارة يصل إلى 82%. وتضيف الدراسة أن موهبة الإدارة الحقيقية نادرة، وأن ثمانية من كل عشرة مديرين يتم تعيينهم لا يملكون القدرات الفعلية لإدارة البشر وتوجيه الطاقات.

وفي الصدد ذاته، تتبع "معهد الابتكار القيادي" في نيويورك مسيرة أكثر من 20 ألف قائد جديد، ليجد أن ما يقارب 46% منهم يفشلون فشلا ذريعا خلال أول 18 شهرا فقط من توليهم المنصب، بينما لم يتجاوز المتميزون نسبة 19%.

وفي دراسات أخرى ليست ببعيدة عن هذا الواقع، رصد أن ما بين 50% إلى 60% من المديرين الجدد يفشلون تماما خلال أول عامين من تجربتهم؛ حيث ينتهي بهم المطاف بطلب الإعفاء، وقد يستمرون في بيئات عمل مليئة بالمشاعر السلبية والتهميش والتجاهل، تنخفض فيها جودة العمل والإنتاجية وتتحول إلى بيئة سامة للموظفين.

والسؤال هنا للمدير: هل تم اختيارك بموضوعية وفق خبراتك ومهاراتك الإدارية والقيادية؟ وهل أنت في المكان المناسب؟ وهل اختيار الوجوه الجديدة أو القيادات الصغيرة له انعكاسات إيجابية عليهم أو على بيئات العمل؟!

لا أعتقد أن له انعكاسات إيجابية، وبرأيي، إنهم أُحرقوا واستُغلوا مبكرا؛ فبعض هؤلاء قد يكونون تميزوا في مهامهم السابقة أو حققوا نتائج جيدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة الاستعجال في منحهم مناصب قيادية وهم ما زالوا في طور بناء الخبرات وصقل المهارات، فالنجاح في مهمة تخصصية لا يكفي وحده لصناعة قائد ناجح، كما أن القيادة ليست مكافأة على الإنجاز بقدر ما هي مسؤولية تحتاج إلى إعداد وتدرج ونضج عاطفي ومهني.

وربما لا يرتبط الأمر دائما بالحاجة الفعلية إلى قيادات جديدة، بل قد يكون وراء هذا التوجه دوافع أخرى؛ إذ إن صغر سن بعض المديرين وقلة خبرتهم الإدارية يجعلانهم أكثر قابلية للتأثر والتوجيه، وأكثر ميلا للامتثال لرغبات الإدارات العليا، وفي بعض الحالات، تتحول هذه القيادات إلى جسور سهلة لتمرير قرارات أو تكليفات ما كان لها أن تمر بالسهولة ذاتها لو وُجدت أمامها خبرات أعمق وشخصيات أكثر استقلالية، وفي المقابل، قد يؤدي هذا النهج إلى تهميش أصحاب الكفاءات والخبرات المتراكمة وتحجيم أدوارهم، ليس لضعف في قدراتهم، وإنما لأن وجودهم قد يفرض قدرا أكبر من النقاش والمراجعة والتوازن في اتخاذ القرارات.

وبالتالي، فإن الترويج لفكرة "تمكين الشباب في مناصب إدارية" قد تكون كلمة حق أريد بها مأرب آخر. أنا لست ضد إعدادهم والتدرج في ذلك حتى ينضجوا مهنيا وعاطفيا على مستوى الخبرات العملية والقيادية والمهارات الاجتماعية والشخصية، وكيفية التعامل مع الموظفين وتقديرهم واحترامهم، ليصبحوا مستقلين وقادرين على إدارة العمل والموظفين بشكل جيد، والاستفادة من الخبرات والكفاءات الموجودة، والسعي الدائم إلى رفع مؤشرات الجودة والسعادة في بيئات العمل (وهي جزئيات مهمة غائبة تماما عن بعض بيئات العمل أو حتى عن أصحاب الخبرات).

والحقيقة الصادمة أن ثمن هذا التخبط باهظ جدا؛ تدفعه بيئة العمل الحساسة بزيادة التوترات والقلق، وتراجع حاد في مؤشرات الجودة والسعادة الوظيفية، بل ويمتد أثرها ليصل إلى صحة الناس النفسية والاجتماعية، وانعكاس ذلك بزيادة الضغوط على بيوت الموظفين وأسرهم... فاتقوا الله في الناس يا جماعة!

إذ تؤكد دراسة نشرتها "هارفارد بزنس" أن القيادات التي تفتقر للمهارات القيادية والاجتماعية والذكاء العاطفي تتسبب في رفع معدلات دوران الموظفين واستقالتهم بنسبة تصل حتى 50%، وهذه النتيجة تتفق مع تقارير مؤسسة "غالوب" العالمية التي كشفت أن 75% ممن يغادرون وظائفهم لا يهربون من طبيعة العمل ذاتها، بل ينفرون من سلوكيات مديرهم المباشر وإدارته السيئة، وتتكرر المأساة نفسها في تقرير معهد التطوير الإداري في المملكة المتحدة، حيث إن 82% ممن يديرهم قادة غير مؤهلين أو ما يعرف "بمديري الصدفة" يخططون لترك الوظيفة، هذا التسمم البيئي لا يدمر العافية النفسية للموظفين فحسب بل يحمل المنشآت أثمانا باهظة؛ ويترك المؤسسات نهبا للاحتراق الوظيفي والهدر المالي.

إن الإصرار على تحويل المقاعد القيادية إلى حقول تجارب للمبتدئين ليس مجرد عشوائية إدارية، بل هو جناية مزدوجة ترتكب أولا بحق المؤسسة أو الجهة عبر تهميش وإقصاء الكفاءات الحالية وأصحاب الخبرات الراسخة، وترتكب ثانيا بحق الموظفين الذين يدفعون من صحتهم النفسية واستقرار أسرهم الحياتية والاجتماعية ثمن هذا التخبط.

إن القيادة في جوهرها ليست "معرفة تقنية"، وليست بكثرة الأسئلة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي صرنا نشم رائحته في كل إجراء وكأنه هو المدير الحقيقي للإدارة، بل هي فن التعامل الإنساني وبناء الجسور، وفهم الثقافات، والمواءمة الدقيقة بين التوقعات والنتائج والواقع والمأمول، وهي مهارات وأدوات، وفن إداري في إدارة المهام وتحويلها إلى إجراءات واضحة ونتائج مثمرة، والتقدير والاستفادة من الكفاءات والخبرات، والتحسين المستمر لمؤشرات الجودة والسعادة في بيئة العمل، واستثمار الحوافز والمكافآت والشكر والثناءات؛ فمن يفشل في إتقان هذه الجوانب السلوكية، يجد نفسه خارج مسار النجاح، مهما كانت خبرته الأكاديمية أو الفنية.