أدوات السياسة الفطنة تواجه الظروف والمستجدات بما يفرضه التاريخ والحكمة، فلا تتحول مع الزمن إلى رهينة لمفاجآت الآخرين.

ومن هنا تبرز اليوم الحاجة لتغيير النظرة السياسية تجاه ما يدور حول وطننا السعودي؛ فلا نقرأ الأحداث بمعزل عن أطماع الكارهين، ولا نقيس المواقف بنتائجها الظاهرية، بل بتفكيك وضمان آثارها على الأمن والسيادة والمصالح المستقبلية.

السعودية اليوم تتوسط بؤرة أطماع ومؤامرات تموج بالمستجدات وملفات متشابكة، تبدأ من تعديات إيران على جيرتها الخليجية، وعبر جماعات مسلحة في اليمن والعراق.

أما علاقتها الأصيلة مع الولايات المتحدة، فقد دخلت منذ سنوات مرحلة معقدة تتسم بقدر كبير من البراغماتية الترامبية، وتجارة تغليب المصالح الأحادية على ثبات المواقف!

مرحلة تجعل السعودية مضطرة إلى إعادة حساباتها باستمرار، وعدم بناء رهاناتها على بداهة ظاهرية.

فالعلاقات الدولية لا تدار بالعواطف، بل بتغليب موازين القوة والمصلحة، للمحافظة على أكبر فرص ممكنة من استقلالها وامتلاك قرارها السياسي.

وفي الوقت ذاته، تواجه المملكة ضغوطا متعددة فيما يتعلق بملفات إقليمية حساسة، من بينها قضية التطبيع مع إسرائيل، والتي تعاملت معها الرياض وفق رؤيتها المعلنة وربطتها بجملة شروط عربية وتاريخية وعقائدية، تعاند التوقعات الساذجة بأن الضغوطات كفيلة بتغيير الموقف السعودي!

القرار السعودي ظل قويا مرتبطا بحساباته الوطنية والاستراتيجية، لا بضغوط اللحظة أو الأمنيات التي يروج لها هذا الطرف أو ذاك.

والتحديات امتدت إلى البيئة العربية نفسها، بتفجر أزمات وجودية وأمنية عميقة، في العراق والسودان ولبنان واليمن والصومال وغيرها، ملقية ظلالها على الأمن الإقليمي بأكمله.

وهو ما جعل السياسة السعودية حريصة على محاولات إطفاء الحرائق الإقليمية، والتشبث بمنطق الدولة، والحفاظ على علاقات التعاون والشراكات والجوار ما أمكن، مع التمكن في الوقت ذاته من حماية أمنها ومصالحها بقوتها الذاتية.

لا شك، فالمرحلة الحالية مرحلة قرارات دولية انفعالية، ومحاولات عبور السعودية الآمن حتى تتضح ملامح النظام الدولي والإقليمي بصورة أكثر ضمانا، في ولاية حكم أمريكية قادمة.

ولا عجب، فالدول العظمى تشعر بالشتات، وتحاول إعادة رسم أولوياتها، والتحالفات تشهد تبدلات متناقضة متصاعدة.

ولهذا فإن كسب الوقت، والمحافظة على عناصر القوة، وتوسيع دائرة الشراكات مع الدول الصديقة، تمثل خيارا استراتيجيا سعوديا مشروعا، لتعزيز قدرتها على مواجهة الضغوط دون التورط في التزامات يصعب التراجع عنها مستقبلا.

إن إدارة الأزمات لا تستلزم الانتصار بكل معركة، وإنما قدرة الخروج من المرحلة بأقل الخسائر مع المحافظة على الثوابت الوطنية.

سياسة النفس الطويل، وعدم الاستجابة للاستفزاز، وقدرة التمييز بين المؤقت وما هو دائم.

فالعواصف مهما اشتدت لا تبقى إلى الأبد، والدول التي تحافظ على هدوئها وإدارة مصالحها بعقلانية، تكون الأكثر قدرة وتمكنا من الاستشفاء واستثمار ما بعد الأزمات.

والسعودية، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وديني، تدرك أن التحدي الحقيقي ليس في تمرير كل تحول، وإنما في الوعي والمحافظة على استقلال قرارها، وحماية أمنها، والاستمرار في بناء مستقبلها وفق رؤيتها الوطنية، للخروج من عنق الزجاجة أكثر قوة وثقة.

سياسة القدرة على اختيار التوقيت الصحيح، والتمسك بالثوابت، حتى تنقضي العاصفة، ويرحل كل متجبر بأطماعه، ويبقى الوطن منتصرا بثبات واقتدار.