الخبرة التي لا تورث تضيع
عبدالله فدعق3 دقائق للقراءةحجم الخط
يمضي الإنسان سنوات طويلة وهو يتعلم ويجرب ويخطئ ويصحح، حتى تتكون لديه خبرة لا تشترى بالمال، لأنها في حقيقتها حصيلة عمر كامل؛ لكن كثيرا من الناس يظنون أن نهاية الرحلة هي امتلاك هذه الخبرة، مع أن الرحلة لا تكتمل إلا عندما تصبح طريقا يسير عليه غيرهم.
من أعظم أسباب بطء التقدم في كثير من المجتمعات أن كل جيل يكرر ما فعله الجيل الذي قبله، ويخطئ الأخطاء نفسها، ويبحث عن الإجابات نفسها، ويستهلك من عمره ما كان يمكن أن يختصره لو وجد من ينقل إليه خلاصة التجربة بصدق ووضوح؛ والحق أن الأمم المتقدمة لا تتميز فقط بكثرة خبرائها، بل بقدرتها على حفظ الخبرة وتنظيمها وجعلها متاحة لمن يأتي بعدها، ولهذا لا تقاس قيمة الخبرة بعدد السنوات التي قضاها صاحبها، وإنما بقدر ما توفره من سنوات على الآخرين، فالتجربة التي لا تختصر الطريق على من بعدك، تبقى منفعة شخصية، أما إذا انتقلت إليهم، أصبحت رصيدا يتراكم جيلا بعد جيل، حتى تتحول المعرفة الفردية إلى معرفة جماعية، يستفيد منها الجميع.
ليس المقصود بالخبرة المعلومات النظرية وحدها، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تكتب في الشهادات، ولا تكتسب من الكتب، وإنما تصنعها الممارسة اليومية؛ فكم من قرار سليم جاء بعد عشرات القرارات الخاطئة، وكم من نجاح كان ثمرة إخفاقات متكررة، وكم من حكمة لم تولد إلا بعد سنوات من الاحتكاك بالناس والواقع، وهذه هي الخبرة الحقيقية التي ينبغي ألا تضيع؛ وهنا يبرز فرق مهم بين من يترك أعمالا، ومن يترك منهجا؛ فالأعمال مهما عظمت قد تنتهي بانتهاء ظروفها، أما المنهج فيستطيع أن يولد أعمالا جديدة لا حصر لها، ولهذا كانت أعظم الشخصيات تأثيرا في التاريخ ليست بالضرورة أكثرها أثرا، وإنما أكثرها قدرة على غرس طريقة في التفكير، وأسلوب في العمل، وثقافة في التعامل مع المشكلات، فالمنهج لا يورث الحلول الجاهزة، بل يورث القدرة على صناعة الحلول، وهذه هي الخبرة في أرقى صورها، ومن هنا كان توثيقها ونقلها عملا لا يقل أهمية عن اكتسابها، فقد تكون في كتاب أو دليل عمل أو برنامج تدريبي أو جلسة صادقة مع الأبناء، أو في تلميذ حمل عنك ما تعلمته، ثم أضاف إليه من خبرته هو أيضا، والمهم ليس شكل النقل، وبل أن تخرج الخبرة من دائرة الفرد إلى دائرة الانتفاع العام.
المؤسسات التي تعتمد على أشخاص ولا تعتمد على معرفة موثقة، تظل مهددة بالتراجع كلما غادرها أحد أصحاب الخبرة؛ وكذلك الأسر التي لا تتناقل تجاربها، والمهن التي يحتفظ أهلها بأسرارها، والمجتمعات التي لا توثق نجاحاتها وإخفاقاتها، كلها محكومة بأن تعيد التجربة مرة بعد أخرى، وكأنها تبدأ من جديد في كل مرة؛ ولهذا نرى بعض المؤسسات تتعثر عند أول تغيير، بينما تواصل مؤسسات أخرى نجاحها رغم تغير قياداتها، لأن المعرفة فيها أصبحت جزءا من بنائها، لا من ذاكرة أفرادها.
ختاما.. لا يعني توريث الخبرة، في مقالي، أن نفرض آراءنا على من حولنا، ولا أن نمنعهم من خوض تجاربهم الخاصة، وإنما أن نمنحهم نقطة بداية أفضل، ونوفر عليهم الأخطاء التي لا حاجة إلى تكرارها، ليصرفوا أعمارهم في اكتشاف آفاق جديدة، لا في إعادة اكتشاف ما عرف من قبل؛ فأعظم استثمار للعمر المحدود ألا تنتهي خبراتنا بانتهاء أعمارنا، بل أن تستمر نافعة فيمن تعلم منا، أو قرأ لنا، أو سار على دربنا.
