لخص عالم السمنة الأمريكي الدكتور جورج براي إحدى أعقد حقائق الطب الحديث بعبارة موجزة "الجينات تملأ البندقية، لكن البيئة هي التي تضغط الزناد". الصورة قاسية لكنها دقيقة، إذ تختصر العلاقة المتشابكة بين الوراثة والبيئة في ظهور أمراض مزمنة مثل السمنة ومرض السكر من النوع الثاني.

فالمرض ليس قدرا مكتوبا في الجينات وحدها، وليس مجرد ضعف إرادة كما يظن البعض. الحقيقة بين الأمرين: استعداد وراثي كامن، وبيئة محيطة قد تفجره أو تبقيه خامدا. وفهم هذه المعادلة يحررنا من وهمين متقابلين: وهم الاستسلام للوراثة، ووهم لوم الذات.

البندقية المملوءة هي جيناتنا؛ فبعض الناس يولدون باستعداد أكبر لاكتساب الوزن أو مقاومة الإنسولين أو الإصابة بالسكر، تماما كبندقية محشوة. لكنها لا تحدث ضررا ما لم يضغط زنادها. والزناد هو البيئة: نوعية الطعام، وكثافة السعرات، وقلة الحركة، واضطراب النوم، والضغوط النفسية، وسهولة الوصول إلى الوجبات السريعة، ومدن لا تشجع على المشي. الجين يصنع الاحتمال، والبيئة تحوله إلى واقع. لذلك قد يحمل شخصان استعدادا متشابها فيصاب أحدهما دون الآخر، والفرق ليس في الجينات بل في المحيط والعادات.

أقوى ما يدعم هذه الصورة أن جينات البشر لم تتغير كثيرا خلال العقود الأخيرة، ومع ذلك ارتفعت معدلات السمنة والسكر بشكل حاد في معظم بلدان العالم. ولو كان السبب وراثيا بحتا لما رأينا هذا الانفجار في جيل أو جيلين. الذي تغير بسرعة هو البيئة لا الجينات؛ فقد انتقل الإنسان من حياة يغلب عليها الجهد البدني والطعام البسيط إلى بيئة تغمره بالسعرات وتقلل حركته وتضع أمامه الطعام المصنع في كل مكان.

ويفسر العلماء جزءا من ذلك بفكرة "الجين المقتصد": فبعض الأجسام مبرمجة تاريخيا على الاحتفاظ بالطاقة بكفاءة، وهي ميزة كانت نافعة زمن المجاعات، لكنها تنقلب إلى عامل خطر حين تتوفر السعرات طوال الوقت وتقل الحركة. ويضيف علم التخلق بعدا آخر: فالبيئة قد لا تغير الجينات نفسها، لكنها تؤثر في طريقة عملها، فتنشط بعض المسارات أو تخمدها. فالطعام والنوم والتوتر والحركة قد تعمل كمفاتيح تؤثر في التعبير الجيني دون أن تغير الشفرة الوراثية.

ومن أشهر الأمثلة "قبيلة البيما" في أمريكا: فرع يعيش في أريزونا ضمن نمط حياة غربي قليل الحركة غني بالطعام المصنع، وفرع آخر يحمل خلفية وراثية قريبة لكنه يعيش في المكسيك على غذاء تقليدي ونشاط بدني أكبر. النتيجة لافتة: معدلات السمنة والسكر في فرع أريزونا من بين الأعلى عالميا، بينما تبقى أقل بكثير في الفرع التقليدي. الجينات متشابهة والبندقية محشوة عند الطرفين، لكن البيئة وحدها ضغطت الزناد بقوة عند أحدهما.

وتكاد الصورة نفسها تتضح في منطقتنا. فالخليج العربي يسجل اليوم معدلات مرتفعة من السمنة والسكر؛ فمن جهة قد توجد استعدادات وراثية وسكانية، ومن جهة أخرى شهدت المنطقة خلال عقود قليلة واحدة من أسرع التحولات البيئية والاجتماعية في العالم. انتقلنا من مجتمعات أكثر حركة وطعام أبسط إلى بيئة تعتمد على السيارة والمكيف والمكاتب والشاشات والوجبات السريعة والمشروبات المحلاة. بقيت البندقية كما هي، لكن البيئة الجديدة ضغطت الزناد بقوة غير مسبوقة.

وهنا لا يكفي أن نقول للناس "كلوا أقل وتحركوا أكثر"؛ فالنصيحة صحيحة في ظاهرها لكنها ناقصة إن لم تتغير البيئة التي تدفع الناس إلى العكس كل يوم. فالمدن والمدارس وأماكن العمل وسياسات الغذاء وتسويق الأطعمة وأسعار الخيارات الصحية كلها جزء من الزناد.

جمال هذه الرؤية أنها تنصف المريض دون أن تعفيه من المسؤولية؛ فهي ترفض لومه وكأنه كسول أو ضعيف الإرادة، لأن وراء الأمر استعدادا وراثيا وبيئة ضاغطة، لكنها ترفض في الوقت نفسه الاستسلام بحجة الوراثة لأن البيئة قابلة للتغيير. والإنصاف يقتضي القول إن العوامل البيئية ليست مجرد اختيارات فردية؛ فالفقير الذي لا يستطيع شراء الطعام الصحي، والمدينة بلا أرصفة آمنة، والمدرسة التي لا تشجع النشاط، وسوق الغذاء الذي يروج للسكر والدهون، كلها خارج تحكم الفرد وحده. لذلك فعلاج السمنة والسكر لا يكون بخطاب الوعظ بل بسياسات صحية وبيئية واجتماعية أذكى.

ومع ذلك يبقى للفرد دور مهم؛ يستطيع أن يغير بعض ما حوله، ويقلل تعرضه للمحفزات الضارة، ويبني عادات صغيرة تحميه مع الزمن. فالمعادلة ليست قدرا محتوما ولا قرارا فرديا معزولا، بل مسؤولية مشتركة بين الإنسان والمجتمع والدولة. صحتنا ليست لعبة نرد وراثية مغلقة؛ فنحن لا نختار جيناتنا ولا نفرغ البندقية الموروثة، لكننا نستطيع أن نبتعد عن الزناد قدر الإمكان، وأن نصنع لأنفسنا ولأبنائنا بيئة أكثر صحة. فالطعام الأفضل، والحركة اليومية، والنوم الجيد، وتقليل التوتر، ومدن صديقة للمشي، وخيارات غذاء أفضل في المدارس والعمل، ليست تفاصيل ثانوية بل أدوات حقيقية لمنع الضغط على الزناد. فالقوة الحقيقية لا في إنكار الوراثة ولا الاستسلام لها، بل في تغيير البيئة التي تجعل الاستعداد يتحول إلى مرض.

nabilalhakamy@