في فصلي كل أسبوع مشهد يتكرر.
يقف طالب أمام زملائه، يقدم عرضا منظما وجميلا، تجدين فيه مفردات لم نمر عليها في الكتاب، وتراكيب تفوق مستواه بمراحل. تصفقين داخليا للتنظيم، ثم تسألينه سؤالا واحدا بسيطا عما قاله. يتوقف. يتلعثم. ينظر إلى الشاشة. ثم يعود ببطء إلى كرسيه كأن شيئا لم يحدث. وفي الأسبوع القادم يفعل الشيء نفسه.

لم يكذب. لم يغش بالمعنى الكلاسيكي. فقط استعان بأداة أصبحت جزءا من يومه كما أصبح الهاتف والقهوة وتطبيقات التوصيل. الذكاء الاصطناعي بالنسبة لجيله ليس غشا، هو جوجل الجديد، والمساعد الذي لا ينام، والمحرر الذي ينقذه من الإحراج أمام زملائه.

وهنا تحديدا يبدأ السؤال الحقيقي.
حين سألت طلابي في لحظة صريحة عن سبب لجوئهم للذكاء الاصطناعي في كل شيء - الواجبات والعروض والأنشطة وحتى الدردشة - كانت الإجابة التي فاجأتني "أنا أعرف ما أريد قوله، لكن لغتي لا تسعفني. أريد عبارات تليق بمستواي التعليمي، تمثلني أمام الآخرين".

هذه الجملة تستحق أن نقف عندها طويلا.
الطالب ليس كسولا. هو مثقف، يفكر بعمق، درس في جامعة في بلده، وله رأي يريد إيصاله. لكنه يجلس في فصل لغة ثانية، وبين ما يعرفه وما يستطيع قوله فجوة مؤلمة. الذكاء الاصطناعي يسد هذه الفجوة في ثوان، ويمنحه العبارة التي تمثله بدل العبارة التي يستطيعها. المشكلة أن العبارة التي تمثله ليست منه. وحين تسأله عنها تسقط.

لكن دعونا نتوقف لحظة عند ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تعليمه، وهو في رأيي الجزء الأكثر إنسانية في تعلم اللغة.
في فصلي طلاب من فيتنام والبرازيل والهند وكوريا وغانا وإندونيسيا. ثلاثون شخصا في غرفة واحدة يحاولون التواصل بلغة ليست لغة أي منهم. هذا الموقف بحد ذاته - بكل ما فيه من إحراج وضحك وتخمين خاطئ - هو درس لا يمكن تحميله من الإنترنت.

أذكر يوما حين كان طالب برازيلي يشرح كلمة "كبير" لزميله الكوري الذي لم يفهمها، فرفع يديه في الهواء ليظهر الحجم وقال بعربية مكسرة "كبير مثل رأسك!" ضحك الفصل كله - بمن فيهم الكوري - وفي تلك الضحكة المشتركة تعلم الجميع الكلمة ولم ينسها أحد.

هذا لا يحدث في غرفة مغلقة مع شاشة.
الذكاء الاصطناعي لن يخبر الطالب الذي يتعلم العربية في قطر أن كلمة "يعطيك العافية" التي تعلمها في الكتاب تختلف نبرتها حين تقولها لسائق التاكسي عن حين تقولها لمديرك في العمل. ولن يخبره أن "خلاص" في مصر تعني نهاية الموضوع، لكن "خلاص" في بعض السياقات قد تبدو وقحة إذا قالها للشخص الخطأ في اللحظة الخطأ. هذه الأشياء لا تتعلم من نص، تتعلم حين يرتكب الطالب الخطأ فعلا، ويرى وجه المعلم، ويسمع الفصل يضحك معه لا عليه.

أتذكر طالبا كان يحاول أن يقول إن شيئا ما كان "غريبا" فاستخدم كلمة سمعها في مسلسل مصري دون أن يعرف ثقلها. نظر إلي ولم يفهم لماذا توقف الفصل فجأة. شرحت له بهدوء وابتسامة، وأنا أتأكد أن الموقف أصبح درسا لا حادثة. لو كان يتعلم وحده مع الذكاء الاصطناعي لما عرف أنه أخطأ أصلا، أو عرف لكنه لم يشعر بالفارق.

لأن الفارق لا يشعر به إلا في وجود آخرين.
وما لا يمنحه الذكاء الاصطناعي أيضا هو تلك اللحظة حين يسمع الطالب معلمته تلقي عليه كلمة من اللهجة القطرية بين درسَين - "شلونك؟ عساك بخير؟" - فيضحك لأنه لم يتوقعها، ثم يكررها لزميله في الممر. في اليوم التالي يسألني: أستاذة، قلت "عساك" لزميلي، هل هذا صحيح؟ فنفتح بابا كاملا عن اللهجة الخليجية والفصحى والفارق بينهما لم يكن أحد خطط له.
هذا هو التعليم الحقيقي، المخطط له وغير المخطط له معا.
لهذا أنا لا أحارب الذكاء الاصطناعي في فصلي، أدخله.

أعلم طلابي كيف يستخدمونه بوعي لا بعمى. كيف يسألونه ثم يفكرون في الإجابة قبل أن ينسخوها. كيف يجعلونه أداة تقوي لغتهم لا أداة تحل محلها. والفارق بين هذين الاستخدامين لا تعلمه خوارزمية، يعلمه معلم يجلس في الغرفة نفسها ويرى ما لا تراه الشاشة.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصحح جملة. لكنه لا يستطيع أن يرى الارتباك في عيني طالب ويغير السؤال في ثوان بالطريقة التي تحفظ كرامته. يستطيع أن يشرح قاعدة نحوية بعشرين لغة، لكنه لا يستطيع أن يضحك مع طالب فيتنامي على خطئه في نطق حرف العين ثم يجعله يحاول مرة أخرى وهو يضحك هو أيضا. يستطيع أن يقترح نشاطا، لكنه لا يعرف أن الطالب الجالس في الزاوية اليوم كان يبكي في الممر قبل دقائق، وأن أي ضغط إضافي سيغلق قلبه أمام اللغة كلها.

اللغة ليست نظاما يتقن، هي ثقة تبنى. وبناء الثقة يحتاج إنسانا.
ما لا يعطيه الذكاء الاصطناعي هو تلك اللحظة حين يقول طالب جملة عربية بسيطة من عنده - ليست مثالية، فيها أخطاء - لكنها منه. وحين يرى في عيني أنني سمعته فعلا، يريد أن يقول جملة أخرى. ثم أخرى. وفجأة اللغة لم تعد واجبا يسلم، صارت شيئا يريده.

تلك اللحظة هي المكان الذي لا يصل إليه أي ذكاء اصطناعي حتى اليوم.
وهي بالضبط السبب الذي يجعلني أدخل الفصل كل يوم، وأحيانا أخرج منه وأنا من تعلم.

غير أن هذا يستدعي شيئا واحدا لا نقوله بصوت عال كفاية: أن المعلم نفسه يحتاج من يدربه. الجامعات التي تطلب من أساتذتها مواكبة الذكاء الاصطناعي دون أن تقدم ورش تدريب حقيقية تشبه من يطلب من شخص أن يسبح قبل أن يعلمه الماء. التدريب المؤسسي ليس ترفا، هو الشرط الذي يجعل كل ما قلته ممكنا.