تؤكد عموم الأدبيات المتعلقة بمكافحة التضليل الإعلامي والمعنية بسرد أضرار الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة على الخطورة التي تسببها الأرقام والإحصاءات كوسيلة إقناع لها مساهمة لا يستهان بها في صناعة التضليل الإعلامي، ومن الأدبيات المهمة كتاب "كيف تكذب مع الإحصاء" "How to Lie with Statistics" الذي اعتبره من أمهات الكتب التي تناولت آليات كشف التضليل الإعلامي القائم على استخدام الأرقام والإحصاءات.

ويذكّر الكاتب الأمريكي "داريل هاف" مؤلف الكتاب أن وجود رقم صحيح لا يعني أن التفسير أو الرسالة صحيحة، ويمكن للأرقام أن تستخدم بطريقة تضلل القارئ عبر اختيار أرقام أو عرضها خارج سياقها، وليس عبر تزويرها بالضرورة، والتفكير النقدي هنا يبدأ بسؤال من أين جاء هذا الرقم وكيف عرض؟

في الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي والتقارير والدراسات نرى أرقاما يوميا ونسبا مئوية تعلن عن نتائج دراسات، ويتم اقتباسها دون تفاصيل، ورسوم بيانية بصورة جذابة بصريا. ودور فاحص البيانات هنا أن يسأل عن السياق الذي جمعت من خلاله البيانات؟ متى؟ وبأي طريقة؟ والكثير من الأسئلة.

في عملية قراءة الأرقام والإحصاءات وتحليل الرسوم البيانية من المهم التفكير بصورة نقدية، فقبل أن تصدق أي رقم متداول هناك ثلاث إشارات مهمة وشائعة يجب الالتفات لها، وهي وجود نسبة مئوية كبيرة دون ذكر الرقم الأصلي، نشر أرقام من دراسة أو استطلاع رأي دون توضيح حجم العينة، وذكر رقم منسوب إلى دراسة أو خبير دون رابط للمصدر الأصلي، فوجود واحدة أو أكثر من هذه العلامات لا يعني أن الرقم خاطئ، ولكنه يعني أن عليك التحقق منه قبل إعادة نشره.

في عملية استخدام النسب المئوية بطريقة مضللة وهي من أكثر الطرق شيوعا في عرض البيانات، قد تكون مضللة إذا عرضت دون توضيح الأرقام الأصلية، فالنسبة المئوية تظهر حجم التغير، ولكنها لا تخبرنا دائما بحجم الظاهرة نفسها، وعند قراءة أي نسبة مئوية السؤال الذي يجب أن يكون حاضرا وخاصة عند الحديث عن الزيادة أو التراجع، مقارنة بماذا؟ وما هو الرقم الأصلي؟ ففي كثير من الأحيان يكون فهم العدد الأساسي أكثر أهمية من معرفة نسبة التغير نفسها.

وفي أرقام ونسب المتوسط والوسيط، المتوسط لا يعكس دائما واقع أغلب المشاركين، فرقم واحد قد يغير القصة بالكامل وخاصة عند الحديث عن الدخل أو الأسعار أو الرواتب، وغالبا ما نرى أرقاما تقدم على أنها تمثل المتوسط؛ ولكن المتوسط لا يعكس دائما واقع أغلب الأشخاص، والأنسب هنا استخدام الوسيط، وتوصي هيئات إحصائية عديدة، من بينها مكتب الإحصاءات الوطني في المملكة المتحدة، بمراقبة الوسيط عند دراسة الدخول والأجور لأنه أقل تأثرا بالقيم المرتفعة أو المنخفضة جدا.

وفي استطلاعات الرأي والتي غالبا ما تعرض النتائج على شكل نسب مئوية، السؤال المهم هنا كم حجم العينة؟

فكلما كانت العينة ممثلة لواقع الدراسة وللفئة المستهدفة عكست النتائج الواقع، كذلك معرفة كيفية اختيار العينة وهل تمثل العينة الفئات المستهدفة من الدراسة؟

ومن الأخطاء الأكثر بروزا في المنشورات الإخبارية الانتقاء الإحصائي الذي يحدث عندما يجري اختيار جزء من البيانات يدعم استنتاجا معينا مع تجاهل بقية البيانات، واستخدام الأرقام المطلقة بدل المعدلات، وافتراض وجود علاقة بين متغيرين يعني أن أحدهما تسبب في الآخر.

كذلك استخدام الرسوم البيانية المضللة بطريقة تؤدي إلى انطباعات غير دقيقة، ومن أكثر الأساليب شيوعا البدء بمحور الأرقام من قيمة مرتفعة بدلا من الصفر، وهنا لا تكون البيانات نفسها خاطئة، ولكن طريقة عرضها قد تمنح القارئ انطباعا مبالغا بحجم الفارق.

ختاما، رغم أهمية الأرقام لفهم العالم إلا أنه يمكن استخدمها بشكل مضلل، والتعامل النقدي مع البيانات لا يعني رفضها وإنما استيعابها، وعند قراءة أي رقم أو دراسة من الضروري التمييز بين الارتباط والسببية، والتأكد من أن البيانات المعروضة تمثل الصورة الكاملة، ومعرفة إذا كانت الأرقام معروضة في شكل أعداد مطلقة أم معدلات قابلة للمقارنة، والبحث عن مصدر الرقم المتداول والمنشور في أكثر من مصدر من قواعد البيانات الحكومية والدولية وشركات أبحاث السوق، والجامعات، والتحقق من تاريخ البيانات، والمنهجية المستخدمة، وحجم العينة إن وجدت، وما إذا كانت النتائج تتعلق بفترة زمنية أو منطقة جغرافية محددة.