من جديد؛ أمريكا توقف ضرباتها على إيران، الحوثيون والحشد الشعبي يعلنان عن نفسيهما كطرفين جديدين يدخلان في الصراع المحموم في المنطقة، الحشد الشعبي يرسل نيرانه إلى دول الخليج، والحوثيون يعلنون الحرب على السعودية، بحجج واهية وضعيفة، كلها تصب في مصلحة شيء لا يعرف الكثيرون كنهه ولا شيئا من ملامحه.

إيران على مفترق طرق؛ بين موت مفاجئ وموت بطيء، وهذا قد يستلزم مغامرة جديدة، تقودها إلى تجاوز بعض الحدود في محاولة لصناعة واقع جغرافي جديد يخرجها من مأزقها العسكري وأزمتها الداخلية، وخاصة أن إغلاق المضائق ليس بذلك السوء الذي توقعت انعكاسه على الغرب والشرق معا، ليكون وسيلتها للتفاوض والمناورة طمعا في النجاة والمخرج.

أمريكا تتعاطى مع الصراع بخطوات ثقيلة وردات فعل غريبة، فلا هي أجهزت على الضحية وأنهت الحرب، ولا هي التزمت بخيارات التهدئة وما انبثق عنها من توافقات تقود إلى سلام يظلل المنطقة من جديد، حالة من اللاحرب واللاسلم تعصف بخيالات المحللين، وقبلهم المؤثرون الذين يرون في هذا الصراع تباينا بين الشرق والغرب، قبل أن يكون صراعا إقليميا تديره أمريكا وفق قواعد اشتباك محددة ومحدودة.

الصين وروسيا يسعدهما أن تغوص أمريكا في وحل صراع جديد، يعيد للعالم شيئا من توازن يناظر الصراع العسكري في الشرق بين الغرب وروسيا، ويعيد للشرق أيضا، ممثلا في روسيا والصين، شيئا من الهيبة؛ كقوى وازنة لا بد أن يكون لها أثر وتأثير في أحداث العالم.

أمريكا تدير الحرب وفق إيقاع بطيء يضمن لها السلامة، ويضمن للحرب السلاسة؛ التي تزيد المشهد توترا، وتجعله أسيرا لحالة من المتناقضات التي لا يحكمها واقع يمكن التعاطي معه كحالة حرب أو حالة سلام!

الخليج العربي بثرواته وأرضه ومياهه، يمر بفترة عصيبة من تاريخه، فهرمز مغلق حتى تاريخه، وباب المندب يحذو حذوه، وأمريكا تريد جر العالم إلى حالة من الفوضى المضبوطة والمنضبطة وفق قواعد محددة ودقيقة تبقي المنطقة في أتون صراع يكون بين مد توترات غريبة وجزر تهدئات لا تلبث أن تزول وتضمحل.

نقطة أخيرة، وهي أن بترول الخليج وغازه لم يعودا بتلك الأهمية لأمريكا كما كانا قبل عقود عديدة، فالبدائل وإن غلت، تظل خيارا استراتيجيا يدفع السياسات الأمريكية إلى التطرف، والوقوف ليس في موقف المتفرج فحسب، بل في موقف من يشعل النيران في مكانه وزمانه لتحرق الآخرين أولا، ولتضيء له مساحة مهمة من مناطقه، ليبدو أكثر انتهازية، وربما عنفا!

إيران ضحية طموحات جاوزت سقف مكانها وإمكاناتها، والخليج بنفطه وغازه وأمنه واستقراره يبقى مطمعا لكثيرين، لا تسرهم رؤيته متعافيا في نفسه، ترياقا لجيرانه وأصدقائه، أما أمريكا فيبدو أنها أمام مفترق سياسات جديدة أكثر صلفا وتعقيدا مما كانت عليه، فهي وإن كانت تستعرض قوتها في الخليج، فعينها وقلبها هناك في الشرق مع الصين، التي أصبحت الخطر الحقيقي الذي يزعج الأمريكيين، وهذا ما يجعلهم - الأمريكيين - اليوم هنا في الخليج تحسبا لهناك غدا في الشرق، فالصين تثبت يوما بعد يوم أنها خيار الجغرافيا والتاريخ لزعامة العالم القادم، خلفا لأمريكا اليوم، زعيمة العالم الجديد!

alaseery2@