في السادس عشر من يوليو، نقلت رويترز أن القيادة الإيرانية أوعزت إلى الحوثيين بإغلاق باب المندب إذا ضربت واشنطن منشآت الكهرباء الإيرانية.

وفي السابع عشر وقعت الضربة، وفي العشرين خرج القرار الحوثي معلنا حصارا بحريا على المملكة. فقط هي أربعة أيام فصلت بين الأمر والتنفيذ؛ وهي المسافة الكاملة بين وكيل ينكر وأداة تدار.

حيث لم يكن الإعلان وليد فراغ؛ فقد سبقه تبادل للنار أنهى هدنة صمدت أربع سنوات، على خلفية طائرة قادمة من إيران؛ بادعاء أنها تقل وفد الميليشيا العائد من عزاء المرشد، منعت من الهبوط في صنعاء. لكن جوهر الحكاية أعمق: فقيمة حروب الوكالة قابلية الإنكار، أن تضرب اليد ويغيب صاحبها. وطهران، التي فقدت مرشدها في الضربة الافتتاحية للحرب أواخر فبراير، لم تعد تحتمل ترف الأقنعة، فأحرقت بيدها الغطاء الذي منح الحوثي قيمته طوال عقد. وقبل أن تطلق رصاصة لفرض الحصار، كانت السفن قد بدأت تغير مساراتها؛ فالتهديد وحده صار سلاحا.

ولماذا هذا الباب تحديدا؟ لأن المملكة، حين اختنق هرمز حتى بلغ عبوره ست سفن في يوم واحد، حولت رئتها الغربية إلى شريان العالم؛ قفزت صادرات ينبع إلى نحو أربعة ملايين برميل يوميا، بزيادة 400% عن مستويات ما قبل الحرب، وصار المضيق يمرر أكثر من سبعة ملايين برميل يوميا بديلا اضطراريا عن هرمز. إغلاقه الكامل يقتطع 7% من المعروض النفطي العالمي، فوق 10% فقدها العالم منذ اندلاع الحرب. وقد سبقت الأسواق الصواريخ؛ تضاعفت أقساط تأمين مخاطر الحرب ثلاث مرات خلال أسبوع، من 0.3% إلى أكثر من 1% من قيمة السفينة، وبلغت 3% للسفن المرتبطة بالمملكة، بعد استهداف الناقلة «إنسيليا» قرب جازان. حصار يجبي ضريبته من التجارة العالمية دون حاجة إلى إصابة كل سفينة.

غير أن الكماشة تنغلق على صانعها. فاتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في سبتمبر 2025 تجعل أي عدوان على الرياض عدوانا على إسلام آباد؛ وقد وصفت باكستان إعلان الحوثي بتنفيذ الحصار - بمعنى استهدافه للسفن السعودية دون سواها!!- بأنه غير مقبول، وحذرت من رد عسكري إن طالت الهجمات سفنها. فطهران التي أرادت خلط الأوراق وحدتها ضدها؛ حولت حربا أمريكية إيرانية إلى قضية ملاحة دولية تمس الجميع، ودفعت قوة نووية كانت تجتهد في التهدئة نحو خانة خصومها.

التصعيد لغة تقرأ أحيانا بالمقلوب؛ القوي ينوع خياراته، والمنهك يحرقها. والمسافة بين أمر صدر في السادس عشر وقرار سيادي أعلن في العشرين هي أدق مقياس لما تبقى في اليد الإيرانية. فحين ترمى الورقة الأخيرة على الطاولة مكشوفة الوجه، تكون اللعبة قد أعلنت نهايتها؛ ولا يبقى إلا سؤال واحد: كم سيكلف الشوط الأخير؟

Abdullah_Yabisi@