في الحياة، لا يكفي أن يمتلك الإنسان الكفاءة وحدها، بل يحتاج أيضا أن تصل سمعته للمكان الذي يستحقه؛ من هنا تأتي الدلالة العميقة في سورة يوسف، بقوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام «اذكرني عند ربك» الآية42، هنالك طلبه الشخصي للخلاص من السجن، كذلك إدراكه الواعي لأهمية التواصل، بالشفاعة الحسنة، والتزكية الرصينة لإدارة الفرص ضمن الحدود الشرعية والأطر العرفية.

من منظور علم النفس التنظيمي، وإدارة المعرفة يمثل هذا الموقف نموذجا يطلق عليه «رأس المال الاجتماعي»، الذي يفسر أن العلم والقدرة وحدهما لا يكفيان، بل يحتاجان لوجود شخص ينقل الصورة لأعلى المستويات؛ لتمكين ظهور المواهب في الوقت المناسب؛ إنها ليست وساطة لإلغاء معايير العدالة، بل أجدها وسيلة لإتاحة الفرصة للكفاءة كي يتم الالتفات لها وتقييمها.

لم يقف يوسف عليه السلام عند طلب التذكير به، بل قدم بعد ذلك نموذجا متكاملا في المعرفة الخاصة والتسويق المهني للذات عندما قال «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم» الآية 55. هنا تتجسد فلسفة التمكين؛ عندما عرض مؤهلاته وفق معيارين لا يزالان حتى يومنا أساسا في الاختيار: الأمانة والكفاءة. «حفيظ» تعني الثقة والنزاهة والمسؤولية، بينما «عليم» تعني الخبرة والمعرفة، هذان المعيارين يمثلان جوهر السيرة الذاتية الناجحة، والمقابلة الشخصية الفاعلة، للتعيين المبني على الجدارة.

ويؤكد علم النفس التنظيمي بأن الثقة بالنفس هي قدرة الإنسان على تقديم إمكاناته بموضوعية لتقلد المنصب، بعيدا عن الغرور، ويوسف عليه السلام لم يطلب المنصب لمجرد الرغبة في السلطة، بل لإدراكه بكفاءته من إدارة مورد اقتصادي استراتيجي في مرحلة حرجة آن ذاك، وهو ما أثبتته الأحداث لاحقا عند نجاحه في إدارة أعوام السراء وسنوات الضراء بكفاءة استثنائية.

عندما تجتمع الشخصية الواثقة والخبرة العميقة والمؤهلات الرفيعة، تتكون منظومة متكاملة تنتج معرفة استثنائية قادرة على بناء إدارة دقيقة، قائمة على التخطيط، وإدارة المخاطر، وحسن استثمار الموارد، وجودة اتخاذ القرار؛ وهذه ليست مجرد صفات فردية، بل هي مكونات نفسية وتنظيمية تصنع القائد الذي يحقق الاستدامة المؤسسية ويقود المنظمة نحو التميز.

طلب فرصة الظهور الواثق يختزل حقيقة إنسانية وإدارية بالغة الأهمية؛ فتمكين الإنسان لا يتحقق دائما بجهده الفردي وحده، بل يحتاج لذكاء عاطفي يفتح له الفرصة للتوصية المهنية، والشهادة الصادقة بالكفاءة في الإدارة الحديثة ما دامت تستند للجدارة لا للمحاباة.

ولهذا فإن المنظمات الناجحة لا تبحث فقط عن أصحاب الشهادات، وإنما عن أصحاب الأمانة والقدرة والثقة، لضمان وصول صاحب الكفاءة لصانع القرار بعيدا عن العشوائية والعلاقات الشخصية، وهكذا تبقى كلمات يوسف عليه السلام مدرسة خالدة في القيادة والإدارة، تعلمنا أن الكفاءة تستحق التعريف بها، والفرصة يتم منحها لمن يملك الأهلية، والتمكين الحقيقي.

Yos123Omar@