لطالما بدأ الدور الحقيقي لشركات التأمين الصحي عند وقوع المرض؛ فعندما يحتاج المؤمن عليه إلى دواء، أو تنويم في المستشفى، أو عملية جراحية، تتدخل الشركة لتغطية التكلفة وفقا لشروط الوثيقة. ورغم أن تمويل العلاج يمثل الوظيفة الأساسية للتأمين الصحي، فإن التحولات الصحية والسكانية المقبلة تفرض علينا التفكير في دور أوسع وأكثر استدامة، ينتقل بالتأمين من مجرد دفع تكلفة المرض إلى الاستثمار المبكر في صحة الإنسان.

لنتخيل شخصا بلغ الستين من عمره، يعاني زيادة في الوزن، وأظهرت فحوصه أنه في مرحلة مقاومة الإنسولين أو ما قبل السكري. هذا الشخص لا يحتاج اليوم إلى حقن الإنسولين، ولا إلى تنويم متكرر، ولا إلى علاج مضاعفات السكري، لكنه يقف عند بداية طريق قد يقوده بعد سنوات إلى أمراض القلب، أو القصور الكلوي، أو اعتلال الشبكية، أو القدم السكرية، وما قد يصاحبها من عمليات جراحية أو بتر أو علاجات طويلة الأمد وتكاليف مالية مرتفعة.

في النموذج التقليدي، تنتظر شركة التأمين حتى تتطور حالة هذا الشخص، ثم تبدأ بدفع تكاليف الأدوية والفحوص والتنويم والتدخلات العلاجية عاما بعد عام.

لكن ماذا لو بادرت الشركة قبل حدوث المرض؟ ماذا لو تواصلت معه وعرضت عليه اشتراكا في ناد رياضي قريب من منزله، أو برنامجا غذائيا بإشراف مختص، أو متابعة صحية رقمية، أو أدوات مناسبة لممارسة الرياضة في المنزل؟ قد تدفع الشركة مبلغا محدودا مقابل هذه الخدمات، لكنها قد تؤخر الإصابة بالسكري سنوات طويلة، أو تقلل احتمالية حدوث مضاعفاته، أو تخفض الحاجة إلى العلاج المكلف.

لا تمثل هذه الفكرة هدية تسويقية أو عملا خيريا خارج نطاق نشاط شركات التأمين، بل هي صورة متقدمة من صور إدارة المخاطر. فإذا كانت شركات التأمين تستخدم البيانات لمعرفة احتمال إصابة المؤمن عليه بالمرض، فمن المنطقي أن تستخدمها أيضا، بموافقته ووفق ضوابط حماية الخصوصية، للتدخل المبكر وتقليل ذلك الاحتمال. فكل تحسن في مستوى السكر التراكمي أو ضغط الدم، وكل انخفاض صحي في الوزن، وكل زيادة آمنة في النشاط البدني، قد تنعكس مستقبلا في صورة مطالبات أقل، وتنويم أقل، واستهلاك أقل للأدوية.

ومن المهم هنا أن نكون واقعيين بشأن طريقة تمويل التأمين الصحي. فغالبية الموظفين والمتقاعدين المشمولين بالتأمين لا يدفعون قيمة الوثيقة كاملة من أموالهم الخاصة، بل تتحملها جهات عملهم الحالية، أو الجهات التي كانوا يعملون لديها، أو المؤسسات والشركات التي توفر التغطية لهم ولأسرهم. ولذلك فإن النموذج الأمثل لهذه المبادرة لا ينبغي أن يكون قائما فقط بين شركة التأمين والمؤمن عليه، وإنما على شراكة ثلاثية تجمع المؤمن عليه، وشركة التأمين، والجهة التي تمول الوثيقة.

يمكن لجهة العمل، مثلا، أن تشارك شركة التأمين في تمويل برنامج النشاط البدني أو التغذية أو الفحص المبكر، أو أن تخصص ضمن عقد التأمين مبلغا سنويا للوقاية وتحسين نمط الحياة. كما يمكنها تشجيع موظفيها ومتقاعديها على المشاركة، وتوفير مرافق أو أوقات مناسبة للنشاط، والمساهمة في بناء ثقافة مؤسسية تدعم الصحة بدل أن تكتفي بدفع القسط السنوي وانتظار المطالبات.

وفي المقابل، تتولى شركة التأمين تصميم البرنامج الصحي، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وقياس المؤشرات الصحية والاقتصادية، وتوفير الخدمات الوقائية من خلال شبكة معتمدة من الأندية والمراكز الصحية وأخصائيي التغذية والعلاج الطبيعي. أما المؤمن عليه، فيشارك بإرادته ويلتزم بالخطة المناسبة لحالته الصحية، ليصبح شريكا فعليا في المحافظة على صحته، وليس مجرد متلق للعلاج بعد حدوث المرض.

وتتحقق في هذا النموذج منفعة واضحة لجميع الأطراف. فإذا تحسنت صحة المؤمن عليه، انخفض احتمال تعرضه للمرض والمضاعفات، وتحسنت قدرته على الحركة والعمل والاستقلال في حياته اليومية. وتستفيد شركة التأمين من انخفاض المطالبات العلاجية المتوقعة. كما تستفيد جهة العمل من انخفاض تكلفة التأمين عند التجديد، وتراجع الغياب المرضي، وتحسن الإنتاجية، وانخفاض حالات التقاعد المبكر أو فقدان القدرة على العمل بسبب الأمراض المزمنة.

وبذلك لا يعود تخفيض قسط التأمين في السنة التالية مرتبطا فقط بتحسن أرباح شركة التأمين، وإنما يمكن أن يصبح ثمرة مشتركة تعود على جهة العمل والمؤمن عليه. فإذا حقق البرنامج نتائج واضحة، مثل انخفاض الوزن بصورة صحية، أو تحسن مستوى السكر، أو السيطرة على ضغط الدم، أو الالتزام بالفحوص الوقائية، فقد تحصل جهة العمل على شروط تأمينية أفضل عند التجديد، بينما يحصل المؤمن عليه على مزايا إضافية، مثل تخفيض نسبة التحمل، أو زيادة بعض المنافع، أو رصيد وقائي جديد، أو مكافآت مرتبطة بالاستمرار في السلوك الصحي.

ومن الأفضل أن تقوم هذه الحوافز على المكافأة لا العقاب. فلا يجوز أن يتحول البرنامج إلى وسيلة لرفع القسط على من لم يتمكن من إنقاص وزنه، أو حرمانه من التغطية، أو تحميله مسؤولية مرض قد تتداخل في حدوثه عوامل وراثية واجتماعية وصحية متعددة. بعض كبار السن قد يعانون أمراضا في المفاصل أو القلب أو الجهاز التنفسي تحد من قدرتهم على ممارسة الرياضة، ولذلك يجب أن تكون الأهداف فردية وآمنة، ويحددها المختصون وفق حالة كل شخص.

كما ينبغي ألا يقتصر تقييم النجاح على الوزن وحده؛ فقد لا ينخفض وزن الشخص بصورة كبيرة، لكن تتحسن لياقته، أو ضغطه، أو مستوى السكر لديه، أو تقل حاجته إلى بعض الأدوية. والغاية ليست إجبار الجميع على بلوغ رقم موحد، بل خفض الخطر الصحي لكل شخص بالقدر الممكن والآمن.

قد ترى بعض شركات التأمين أو جهات العمل أن الاشتراك في ناد رياضي أو توفير جلسات تغذية يمثل تكلفة إضافية، لكن النظرة بعيدة المدى تكشف أن هذه المبالغ قد تكون محدودة جدا مقارنة بتكاليف علاج السكري ومضاعفاته، أو عمليات القلب، أو الفشل الكلوي، أو القدم السكرية، أو التنويم المتكرر. وقد لا يمنع البرنامج كل حالة مرضية، لكنه إذا نجح في تأخير الإصابة، أو تقليل المضاعفات، أو خفض نسبة محدودة من الحالات مرتفعة التكلفة، فإنه قد يحقق وفرا ماليا معتبرا على مستوى المحفظة التأمينية وجهة العمل معا.

وتزداد الحاجة إلى هذا التوجه مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، والنمو المنتظر في أعداد كبار السن خلال السنوات والعقود المقبلة. فزيادة العمر تمثل إنجازا صحيا واجتماعيا مهما، لكنها تعني أيضا ارتفاع الطلب على الأدوية والخدمات العلاجية والجراحية والتأهيلية، ما لم يرافقها استثمار جاد في الوقاية والمحافظة على القدرة الوظيفية وجودة الحياة.

ولهذا لا ينبغي أن تنتظر شركات التأمين صدور إلزام تنظيمي حتى تبدأ. يمكنها أن تطلق مبادرات تجريبية بالتعاون مع كبار عملائها من الشركات والجهات الحكومية، وتستهدف في البداية فئات واضحة، مثل الأشخاص في مرحلة ما قبل السكري، أو المصابين بالسمنة وارتفاع ضغط الدم، أو كبار السن المعرضين للسقوط وفقدان القدرة الحركية. ثم تقيس النتائج من خلال مقارنة تكاليف البرنامج بما تحقق من انخفاض في المطالبات والتنويم واستهلاك الأدوية.

وفي الوقت ذاته، يمكن لمجلس الضمان الصحي أن يؤدي دورا مهما في بناء إطار منظم لهذه الشراكات، من خلال وضع معايير للبرامج الوقائية، ومؤشرات لقياس نتائجها، وضوابط لحماية البيانات ومنع التمييز، وآليات تسمح بتوزيع الوفورات والمكافآت بعدالة بين المؤمن عليه وشركة التأمين والجهة الممولة للوثيقة.

كما يمكن أن يشجع المجلس على تضمين برامج تحسين نمط الحياة ضمن العقود المبرمة بين جهات العمل وشركات التأمين، بحيث لا يكون التنافس على أقل قسط سنوي فقط، بل على أفضل قدرة على المحافظة على صحة المؤمن عليهم وخفض مخاطرهم المستقبلية. وهنا قد يتغير معيار نجاح وثيقة التأمين من عدد المستشفيات المشمولة وسرعة الموافقات فقط، إلى قدرتها كذلك على منع المرض أو تأخيره وتحسين جودة حياة المستفيد.

إن مستقبل التأمين الصحي لن يكون قائما فقط على العلاقة التقليدية بين مريض يحتاج إلى العلاج وشركة تسدد تكلفته، بل على منظومة شراكة تتقاسم فيها المسؤولية والمصلحة. فجهة العمل تمول وتدعم، وشركة التأمين تصمم وتتابع، والمؤمن عليه يشارك ويلتزم، والجهة المنظمة تضع الضوابط وتحمي العدالة والخصوصية.

والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه شركات التأمين وجهات العمل لم يعد: كم سيكلفنا علاج هذا الشخص عندما يمرض؟ بل: ما الذي يمكن أن نقدمه له اليوم حتى نؤخر مرضه أو نمنعه أو نقلل مضاعفاته غدا؟

فحين تدفع شركة التأمين وجهة العمل ألفي ريال لتحسين صحة مؤمن عليه، فهما لا تدفعان ثمن اشتراك رياضي فحسب، بل تستثمران في سنوات أكثر صحة، ومطالبات أقل، وإنتاجية أعلى، وحياة أكثر استقلالا وكرامة. وهذه ليست منفعة لطرف واحد، بل معادلة رابحة للمؤمن عليه، ولشركة التأمين، ولجهة العمل، وللنظام الصحي والاقتصاد الوطني بأكمله.

M0hammed_O1@