في ظل التغيرات المتسارعة التي طرأت على النمط الغذائي في وقتنا الحاضر، يبرز تساؤل مهم يتعلق بصحة الأطفال: هل يحصل أطفال اليوم على الكمية الكافية من «الكالسيوم» التي يحتاجها جسمهم للنمو السليم؟ إذ إنه مع انتشار الوجبات السريعة والمشروبات الغازية والأطعمة المصنعة، تراجعت في كثير من الأحيان مكانة الأغذية الطبيعية الغنية بالعناصر الغذائية الأساسية، وعلى رأسها الكالسيوم.

وحتى يدرك جيل اليوم أهمية الكالسيوم أشير إلى أن الكالسيوم يعتبر أحد أهم المعادن التي يحتاجها الجسم منذ السنوات الأولى من العمر، إذ يشكل المكون الرئيسي للعظام والأسنان، كما يلعب دورا مهما في انقباض العضلات، وتنظيم ضربات القلب، ونقل الإشارات العصبية، والمساهمة في عمليات تخثر الدم، وتزداد أهمية الكالسيوم خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة، حيث يشهد الجسم نموا متسارعا وبناء مستمرا للكتلة العظمية التي سترافق الإنسان طوال حياته، وتشير التوصيات الغذائية الدولية إلى أن الأطفال بين 4 و8 سنوات يحتاجون إلى نحو 1000 ملغم من الكالسيوم يوميا، بينما يحتاج اليافعون بين 9 و18 عاما إلى نحو 1300 ملغم يوميا، فيما تتعدد المصادر الغذائية للكالسيوم، ويأتي الحليب ومشتقاته مثل اللبن والجبن والزبادي في مقدمتها، وأيضا الخضراوات الورقية الخضراء، واللوز، والبقوليات، وبعض الأغذية المدعمة بالكالسيوم، ويظل التنوع الغذائي الوسيلة الأفضل لضمان حصول الأطفال على احتياجاتهم اليومية من هذا العنصر المهم.

وللأسف يشير الواقع في جميع المجتمعات إلى أن كثيرا من الأطفال أصبحوا يميلون إلى استهلاك الأطعمة مرتفعة السعرات وفقيرة القيمة الغذائية، مثل رقائق البطاطس والحلويات والمشروبات المحلاة والوجبات السريعة، وهذه الأطعمة تمنح إحساسا بالشبع المؤقت، لكنها لا توفر العناصر الأساسية التي يحتاجها الجسم للنمو، كما أن الإفراط في تناول المشروبات الغازية وبعض المشروبات السكرية قد يؤدي إلى تقليل استهلاك الحليب والأغذية الصحية الأخرى، ما يزيد من احتمالية نقص الكالسيوم على المدى الطويل.

وقد حذرت دراسات عالمية حديثة من اتساع نطاق نقص الكالسيوم حول العالم، فدراسة منشورة عام 2024 في مجلة Nutrition & Diabetes اعتمدت على بيانات العبء العالمي للأمراض أوضحت أن انخفاض تناول الكالسيوم ما زال يمثل مشكلة صحية مؤثرة في العديد من الدول والمجتمعات، كما أشارت مراجعة علمية دولية نشرتها أكاديمية نيويورك للعلوم إلى أن ما يقارب نصف سكان العالم لا يحصلون على كميات كافية من الكالسيوم من غذائهم اليومي.

وتؤكد الأبحاث أن نقص الكالسيوم خلال مرحلة الطفولة قد يرتبط بضعف بناء العظام والأسنان، ويزيد من خطر الإصابة بمشكلات النمو وبعض اضطرابات الهيكل العظمي، كما دعت التوصيات العالمية الخاصة بالوقاية من الكساح بضرورة توفير كميات كافية من الكالسيوم للأطفال، مشيرة إلى أن الانخفاض الشديد في مدخول الكالسيوم يمثل أحد العوامل المهمة المرتبطة بظهور مرض الكساح الغذائي.

وفي عام 2024 أيضا كشفت دراسة عالمية واسعة النطاق تناولت أوضاع المغذيات الدقيقة في 185 دولة، أن الكالسيوم يعد من أكثر العناصر التي يعاني السكان من نقصها عالميا، وهو ما يسلط الضوء على أهمية تعزيز الوعي الغذائي لدى الأسر والمدارس على حد سواء.

ومن المثير للاهتمام أن الجسم يحافظ على مستوى الكالسيوم في الدم بدقة شديدة، فإذا لم يحصل الإنسان على كمية كافية من الغذاء، يبدأ الجسم بسحب الكالسيوم من العظام لتعويض النقص، وهو ما قد يؤدي مع الوقت إلى ضعف كثافة العظام وزيادة خطر الإصابة بالهشاشة، لذلك يمكن القول إن العظام هي أكبر مستهلك ومخزن للكالسيوم في الجسم، خصوصا لدى الأطفال واليافعين الذين يمرون بمرحلة بناء الهيكل العظمي والنمو السريع.

ولضمان حصول الأطفال واليافعين على احتياجاتهم من الكالسيوم، ينصح بالحرص على تناول الحليب أو مشتقاته يوميا، وتشجيع الأطفال على تناول وجبة إفطار متوازنة، وتقليل استهلاك المشروبات الغازية والوجبات السريعة، والاهتمام بالخضراوات الورقية والبقوليات ضمن الوجبات اليومية، كما أن ممارسة النشاط البدني والتعرض المعتدل لأشعة الشمس يساعدان في الاستفادة المثلى من الكالسيوم عبر دعم مستويات فيتامين «د» الضروري لصحة العظام.

الخلاصة: إن بناء عظام قوية لا يبدأ في مرحلة البلوغ، بل في سنوات الطفولة الأولى، وكلما حرصت الأسرة على توفير غذاء متوازن وغني بالكالسيوم، زادت فرص الأبناء في التمتع بصحة أفضل وحياة أكثر نشاطا في المستقبل، فالكالسيوم ليس مجرد عنصر غذائي، بل ضرورة لصحة الأجيال القادمة، كما أن الجمع بين التغذية المتوازنة والنشاط البدني المنتظم يساعد على زيادة الكتلة العظمية لدى الأطفال واليافعين، ما ينعكس إيجابا على صحة العظام ويقلل من احتمالات الإصابة بالمشكلات المرتبطة بضعفها في المستقبل.