اعتادت الجامعات، لعقود طويلة، أن تقيس نجاحها بحجم موازناتها، وعدد طلابها، ومساحة مرافقها، وترتيبها في التصنيفات العالمية. ومع أهمية هذه المؤشرات، فإنها لم تعد كافية للحكم على قدرة الجامعة على الاستمرار في بيئة تتسارع فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية. ولم يعد السؤال الأكثر إلحاحا اليوم: كيف نزيد إيرادات الجامعات؟ بل أصبح: كيف نجعل الجامعة مؤسسة قادرة على إنتاج قيمة مستدامة؟

إن اختيار كلمة «مؤسسة» هنا مقصود لذاته، إذ يعكس تحولا جوهريا في فهم دور الجامعة، من كونها منظمة ترتكز وظيفتها حول تقديم الخدمات وتبادل المنافع مع المجتمع، إلى مؤسسة تستمد شرعيتها ومكانتها من رسالتها، وفلسفتها، والقيم التي تجسدها، والثقة التي تحظى بها، والأثر الذي تتركه في المجتمع. وإذا كانت المنظمة تقاس بمدى كفاءتها في أداء وظائفها وتحقيق أهدافها، فإن المؤسسة تتجاوز هذا البعد الوظيفي لتقاس بما تمثله من منظومة قيم وثقافة وقيادة وعلاقات، وما تؤديه من دور في إنتاج المعرفة وبناء الإنسان وترسيخ الهوية وتعزيز الوعي، حتى تصبح جزءا من ذاكرة المجتمع ووجدانه، فينظر إليها بوصفها قيمة في ذاتها، لا مجرد مقدم لخدمة.

ومن هذا المنطلق، فإن مكانة الجامعة لا تبنى على ما تقدمه من برامج أكاديمية فحسب، بل على فلسفتها التعليمية، وقدرتها على إنتاج المعرفة، وبناء الإنسان، وتشكيل الوعي العام، والإسهام في التنمية، وترسيخ القيم التي يقوم عليها المجتمع. فكلما ارتقت الجامعة إلى مستوى المؤسسة، ازدادت قيمتها المجتمعية، وتعززت قدرتها على استقطاب الكفاءات، وجذب الشراكات، وتنمية الأوقاف، وكسب ثقة المانحين، لتصبح استدامتها المالية انعكاسا طبيعيا لقيمتها المؤسسية، لا هدفا تسعى إليه في ذاته.

ولعل هذا يفسر سعي كثير من منظمات القطاع الخاص (الهادفة للربح) نحو تبني مبادئ المسؤولية الاجتماعية والتنمية المستدامة، فهي لا تسعى إلى تحسين صورتها الذهنية فحسب، بل إلى اكتساب الشرعية المؤسسية، والارتقاء إلى مكانة تحظى بثقة المجتمع وقبوله واحترامه. وإذا كان ذلك خيارا استراتيجيا للمنظمات الخاصة، فإنه بالنسبة للجامعات يمثل جوهر رسالتها وسبب وجودها. ولذلك فإن استدامة الجامعة لا تتحقق بمجرد تنويع مصادر الإيرادات، وإنما بقدرتها على تعظيم القيمة التي تضيفها للمجتمع، وتحويلها إلى مصدر دائم للتمكين والاستقلال والاستدامة.

ورغم ذلك، تتركز معظم النقاشات حول الاستدامة المالية للجامعات في البحث عن مصادر جديدة للإيرادات، أو المطالبة بزيادة الدعم الحكومي، أو رفع الرسوم الدراسية. غير أن هذه الطروحات تنظر إلى الاستدامة من زاوية التمويل، بينما يكمن التحدي الحقيقي في كيفية إنتاج القيمة. فزيادة الإيرادات لا تعني بالضرورة تحقيق الاستدامة المالية، أما تعظيم القيمة فيعني قدرة الجامعة على تمويل نموها من خلال الاستثمار الكفء لأصولها المادية والمعرفية والاجتماعية، بدلا من الاعتماد المستمر على الرسوم الدراسية أو الإعانات الحكومية.

وتؤكد تجارب الجامعات العالمية المرموقة هذه الحقيقة، فهي لا تتبنى تعظيم الإيرادات عبر التوسع غير المنضبط في القبول أو رفع الرسوم بوصفه خيارا أول، بل تركز على بناء قيمة الجامعة والمحافظة عليها. ولذلك تنتهج سياسات قبول انتقائية تحرص على جودة المدخلات والمخرجات، وتعزز سمعتها الأكاديمية، وترفع من مكانتها العلمية والمجتمعية. ونتيجة لذلك، تتضاعف رسومها الدراسية، وتتزايد أوقافها، وتتسع قاعدة المتبرعين والداعمين لها، لأنها استطاعت أن تبني قيمة مؤسسية عالية يثق بها المجتمع ويحرص على الاستثمار فيها.

غير أن الإشكالية ما زالت كثير من الجامعات تعمل وفق نموذج مالي يقوم على إدارة الإيرادات والمصروفات أكثر من تركيزه على إدارة القيمة. فكلما ارتفعت الإيرادات، اتسعت دائرة الإنفاق، واستحدثت برامج جديدة، وتضخم الجهاز الإداري، وتعددت المبادرات، حتى أصبحت الموازنة تدور في حلقة مفرغة؛ إيرادات إضافية يقابلها إنفاق إضافي، دون تكوين أصول منتجة أو فوائض مالية تسهم في تعزيز الاستدامة. ويجد هذا النمط تفسيره في أدبيات المالية العامة، التي تشير إلى أن المؤسسات غير الربحية تميل إلى استيعاب معظم مواردها في الإنفاق التشغيلي، فتتحول الموازنة من وسيلة لبناء القيمة إلى أداة لتوزيع الموارد. لذلك فإن المشكلة الحقيقية ليست في محدودية الموارد، وإنما في النموذج الاقتصادي الذي تدار به هذه الموارد.

والواقع أن الجامعات لا تعاني شحا في الأصول، بل تمتلك ثروة استراتيجية هائلة تشمل الكفاءات العلمية، ومراكز الأبحاث، وبراءات الاختراع، والمختبرات المتخصصة، والمستشفيات الجامعية، والأوقاف، والعقارات، والعلامة المؤسسية، إضافة إلى شبكات واسعة من الخريجين والشركاء، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية إدارة هذه الأصول بوصفها مولدات للقيمة، لا مجرد موارد تشغيلية.

إن تعظيم القيمة لا يعني تعظيم الأرباح، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي لكل أصل تمتلكه الجامعة. فالجامعة الريادية تقيس نجاحها بما تحدثه من أثر وما تخلقه من قيمة مضافة. فعلى سبيل المثال، تتحقق قيمة البحث العلمي عندما يتحول إلى تقنية، أو منتج، أو شركة ناشئة، أو سياسة عامة تعالج مشكلة مجتمعية. كما تتعاظم قيمة الملكية الفكرية عندما تتحول من مجرد حماية قانونية للابتكار إلى أصل استثماري يدر عائدا مستداما، ويعزز إسهام الجامعة في التنمية الاقتصادية والمعرفية.

وينطبق الأمر ذاته على المرافق الجامعية، فالقاعات الدراسية، والمختبرات، ومراكز المؤتمرات، والمنشآت الرياضية، التي تبقى خارج دائرة الاستخدام في غالب الوقت، يمكن أن تتحول إلى منصات للتعليم التنفيذي، والتدريب المهني، والشراكات الصناعية، وحاضنات الأعمال، ومراكز الابتكار. فالأصل الذي لا يستفاد منه معظم الوقت هو أصل منخفض الإنتاجية، مهما بلغت قيمته المحاسبية. كما يمثل رأس المال الاجتماعي أحد أهم أصول الجامعة. إذ تملك شبكة من العلاقات والخبرات والفرص الاستثمارية التي يمكن أن تسهم في احتضان الابتكار، وتمويل الشركات الناشئة، وفتح الأسواق أمام مخرجات الجامعة.

ويمثل التوجه نحو منح الجامعات الاستقلال المالي والإداري، في إطار مستهدفات رؤية المملكة 2030، فرصة مواتية لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي للجامعات كمؤسسات ريادية قادرة على تحقيق التوازن بين إدارة الموارد بعقلية المستثمر، وتعزيز قيمتها المؤسسية بما يرسخ مكانتها وثقة المجتمع بها. وفي هذا النموذج، تتكامل منظومة خلق القيمة، إذ تتحول المعرفة إلى أثر، والأثر إلى قيمة، والقيمة إلى استدامة مالية ومؤسسية. وعندئذ تصبح الإيرادات نتيجة طبيعية للقيمة التي تنتجها الجامعة، لا غاية تسعى إليها.