لم تعد السينما في المملكة العربية السعودية تجربة ثقافية ناشئة، بل أصبحت خلال أقل من عقد واحد صناعة تتشكل ملامحها بوتيرة متسارعة، ويأتي هذا التطور منسجمًا مع أهداف رؤية 2030 التي تنظر إلى الصناعات الإبداعية كأحد مكونات الاقتصاد الجديد ورافعة للإنتاج الثقافي لاسيما منذ تأسيس هيئة الأفلام عام 2020.

وفي موازاة هذا الحراك، شهد القطاع السينمائي في المملكة توسعًا واضحًا في بنيته الإنتاجية يشمل بناء استوديوهات ومواقع تصوير حديثة في مناطق مثل العلا ونيوم وإطلاق تسهيلات للتصوير السينمائي أسهمت في استقطاب أعمال دولية، بالتوازي مع نمو الإنتاج المحلي وظهور منصات ومهرجانات أصبحت نافذة لعرض الأفلام السعودية أمام جمهور عالمي، وفي مقدمتها مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي. وتشير التقديرات إلى أن قيمة سوق السينما في المملكة قد تصل إلى نحو 950 مليون دولار بحلول عام 2030، ما يعكس حجم الفرص التي يحملها هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.

وفي خضم ذلك، لم يعد الحديث عن السينما مقتصرًا على الإنتاج والموازنات، بل بات مرتبطًا بسؤال أعمق يتعلق بالقصص نفسها ومن يكتبها. وفي حين أفرز هذا النمو اللافت جيلًا جديدًا من المخرجين وكتّاب السيناريو وصنّاع المحتوى يسعى إلى تقديم حكايات تعكس المجتمع السعودي بكل تنوعه وخصوصياته، فلقد كشف أيضًا عن حقيقة أساسية في صناعة السينما ألا وهي أن البنية الإنتاجية مهما توسعت لا تكفي وحدها لصناعة سينما مؤثرة، فالسينما تقوم في جوهرها على الحكاية التي تمنح الصورة معناها. ولهذا تحتاج أي صناعة أفلام إلى كتّاب قادرين على تحويل التجربة المحلية إلى قصص تتحدث بلغة سينمائية يفهمها العالم.

ومن هذا المنطلق، بدأت مبادرات تدريبية متخصصة تظهر خلال السنوات الأخيرة كجزء أساسي من بناء المشهد الإبداعي في المملكة، شاركت فيها جهات متعددة من مؤسسات محلية وإقليمية وعالمية. ومن بين هذه الجهات، شركة نتفليكس التي اتجهت إلى بناء شراكات مع مؤسسات إبداعية وتدريبية في العالم العربي بهدف دعم الجيل الجديد من الكتّاب وصنّاع الأفلام في توجّه يعكس تحوّلًا مهمًا في دور الشركات العالمية التي لم تعد تكتفي بصناعة المحتوى، بل أصبحت تسهم في تطوير المنظومة الإبداعية نفسها.

وفي هذا الإطار، وجد كتّاب ناشئين من مناطق مختلفة في المملكة من عسير إلى المدينة المنورة والمنطقة الشرقية، وصولًا إلى تبوك وحائل والجوف وجازان ونجران والباحة، مساحة لتطوير أدواتهم السردية عبر برامج مثل "اكتب المستقبل – مختبر كتّاب الأفلام الروائية"، الذي طُوّر في فبراير 2026 بالشراكة بين نتفليكس و"رايترز هاوس" في توجّه يعكس حرصًا واضحًا على توسيع دائرة اكتشاف المواهب خارج نطاق المدن الكبرى. فالقصص السعودية لا تسعى لأن تكون تقليدًا لهوليوود أو بوليوود، بل أن يكون لها نكهتها الخاصة المستمدة من جذورها الثقافية، والتي تراعي واقعها الاجتماعي. وقد تمّ تصميم البرنامج ليراعي التنوع في القصص السعودية وكمساحة تدريبية متخصصة من خلال ورش في كتابة السيناريو تستهدف الكتّاب الناشئين من مختلف مناطق المملكة.


يشارك في البرنامج 18 كاتبًا سعوديًا ناشئًا من مختلف مناطق المملكة، ويشكل إضافة ملموسة لرصيد الصناعة السينمائية المحلية من الكفاءات الكتابية القادرة على تحويل تجارب شخصية وقصص من الواقع السعودي إلى مشاريع أفلام روائية جاهزة. فبدلًا من الاكتفاء بتعلّم أساسيات الكتابة السينمائية، يخرج المشاركون بملفات مشاريع متكاملة تتضمن معالجات درامية ومواد عرض قابلة للتسويق، وهو ما يمنح الصناعة المحلية دفعة مباشرة نحو تنويع مصادر القصص وتوسيع قاعدة الكتّاب القادرين على المنافسة إقليميًا وعالميًا.

وتعكس تجارب المشاركين الأثر الذي تركه البرنامج في تطوير أدواتهم السردية وتعميق فهمهم لعملية الكتابة السينمائية. حيث قالت نورا السليم، إحدى المشاركات من المنطقة الشرقية: "تعلمت أن إعادة الكتابة ليست مجرد تعديل للنص، بل رحلة لاكتشاف أعمق للقصة والشخصيات، وكان للنقاشات مع المرشدين والزملاء دور كبير في ذلك."

ومن جانبه، يقول عبدالاله الزهراني، أحد المشاركين من مركز عسير: "فتح لي المعمل وورش التطوير أفقًا جديدًا في الكتابة، وأسهمت النقاشات مع المرشدين والزملاء في رفع جودة مشروعي بشكل واضح."

تبرز قضية حضور المرأة في صناعة السينما أيضا كأحد أهم التحولات التي تشهدها المنطقة العربية في السنوات الأخيرة، إذ يتنامى الاهتمام بأصوات الكاتبات والمخرجات ومديرات التصوير في المشهد الإبداعي الذي لطالما غلب عليه حضور محدود للأصوات النسائية، خصوصًا خلف الكاميرا. وقد رافق هذا التحول ظهور مبادرات إقليمية متعددة سعت إلى فتح المجال أمام هذه المواهب الناشئة ومنحها أدوات الكتابة وصناعة الأفلام اللازمة لتحويل رؤاها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، من بينها برامج تدريبية نُظّمت بالتعاون بين نتفليكس والصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، مثل «النساء في السينما: مقدمة إلى العملية الإبداعية» و«مختبر الفيلم القصير لصانعات أفلام صاعدات»، واللذين مكّنا منذ انطلاقهما عام 2023 نحو 45 صانعة أفلام من مصر والأردن والكويت والسعودية والإمارات من صقل مهاراتهنّ في الكتابة والعملية الإبداعية لصناعة الأفلام.
وتتجلى أهمية هذا الحضور النسائي المتنامي بوضوح في المملكة العربية السعودية، حيث تخطو صانعات الأفلام السعوديات خطواتهن الأولى في صناعة ما تزال حديثة العهد نسبيًا، مستفيدات من مساحات دعم متخصصة مثل برنامج "صانعات أفلام المستقبل في السعودية"، الذي أطلقته مؤسسة "سرد" وقطاع الإعلام في نيوم بالشراكة مع نتفليكس، ليمنح هذه الصانعات أدوات عملية لتطوير مشاريعهن السينمائية الأولى وتقديمها إلى العالم.

ولقد تزامن ظهور هذه المبادرات مع بروز عدد من الأعمال السعودية التي نجحت في جذب الاهتمام الإقليمي والدولي، فأفلام مثل "ناقة" للمخرج مشعل الجاسر و"الخلاط+" للمخرج فهد العماري و"الرهين" للمخرج أمين لكنش، قدمت نماذج مختلفة للسرد السينمائي السعودي المعاصر ولاقت ترحيباً كبيراً في المهرجانات السينمائية الإقليمية والدولية.

ولا تمثل هذه الأعمال أفلامًا ناجحة فحسب، بل تشكل مؤشرًا على أن السينما السعودية بدأت تجد لغتها الخاصة غير أن ترسيخ هذه اللغة السينمائية يتطلب أكثر من نجاحات فردية في استدامة أي صناعة سينمائية تعتمد في المقام الأول على قدرتها على إنتاج قصص جديدة باستمرار، وهي مهمة تبدأ دائمًا من الكتّاب.

ولذلك تبرز برامج تطوير الكتابة، مثل المبادرات التي تدعمها نتفليكس، بوصفها رافدًا أساسيًا في تطوير صناعة السينما، إذ تتيح للكتّاب صياغة سرديات تنطلق من المجتمع السعودي وتجد صداها لدى جمهور عالمي، في استثمار واضح في المخيلة الإبداعية للكتّاب الذين قد يكونون وراء الأفلام التي ستعرّف العالم بالسينما السعودية.

ففي نهاية المطاف، تبدأ السينما دائمًا بالحكاية...

والحكاية تُكتب قبل أن تُصوَّر.