لسنا مختلفين عن بقية الدول، ولكن اعتدنا لسنوات طويلة أن نقيس نجاح قطاع الاتصالات بعدد المشتركين وسرعة الإنترنت وحجم التغطية، ولكن هذه المقاييس رغم أهميتها، لم تعد كافية لفهم ما يحدث في المملكة اليوم، فالإنترنت لم يعد قطاعا خدميا، بل أصبح أحد أهم أصول الاقتصاد الوطني، مثل الطرق والموانئ والمطارات في مراحل التنمية السابقة.

أحدث تقرير عن «إنترنت السعودية» والذي نشر مؤخرا ليس فقط للمؤشرات المعتادة، وإنما وثيقة اقتصادية وتنموية ترصد كيف انتقلت المملكة، خلال عقد واحد فقط، من بناء البنية التحتية الرقمية إلى بناء اقتصاد رقمي متكامل.

استمرت بالمملكة في عام 2015م مرحلة توسيع شبكات النطاق العريض، وكانت التطبيقات الرقمية - حينها - محدودة والتجارة الالكترونية في بداياتها، والخدمات الحكومية الالكترونية تتشكل تدريجيا، وكانت الإنترنت آنذاك وسيلة للوصول إلى المعلومات والتواصل، أكثر منها منصة للأعمال والإنتاج والاستثمار.

ثم جاءت رؤية السعودية 2030 لتغير المعادلة بالكامل، فقد تعاملت مع التحول الرقمي باعتباره مشروعا اقتصاديا، وليس مشروعا تقنيا فقط، وأصبح الاستثمار في الاتصالات والألياف الضوئية والجيل الخامس والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، جزءا من مشروع إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.

أتى عام 2020م ليختبر بدايات هذه الرؤية في أصعب الظروف، ففي الوقت الذي واجهت فيه كثير من الدول تحديات في استمرار التعليم والعمل والخدمات، أثبتت البنية الرقمية السعودية قدرتها على استيعاب ملايين المستخدمين، واستمر التعليم «عن بعد»، وكذلك العمل الحكومي والخاص والتجارة الالكترونية والخدمات الصحية الرقمية بكفاءة لافتة، وكانت تلك اللحظة نقطة التحول التي أثبتت أن الاستثمار في البنية الرقمية لم يكن ترفا، بل ضرورة وطنية.

واليوم، تكشف الأرقام مرحلة جديدة أكثر نضجا، فالوصول إلى نسبة استخدام للإنترنت تقارب 99% يعني أن المملكة تجاوزت تحدي الإتاحة إلى تحدي تعظيم القيمة الاقتصادية. كما أن اعتماد أكثر من 99% من المستخدمين على الهواتف الذكية للدخول إلى الإنترنت يؤكد أن الاقتصاد السعودي أصبح اقتصادا متنقلا، تتحرك فيه الخدمات والتجارة والأعمال عبر شاشة الهاتف الجوالة أينما تكون وأينما تذهب.

واللافت أن متوسط استهلاك البيانات المتنقلة في المملكة بلغ 48 جيجابايت للفرد شهريا، وهو من أعلى المعدلات عالميا، فيما جاءت المملكة ضمن أفضل خمس دول في مجموعة العشرين G20 في سرعة الإنترنت المتنقل، والأهم من ذلك أن أكثر من خمس المستخدمين أصبحوا يعتمدون على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وأن الغالبية العظمى من عمليات التسوق الالكتروني تتم عبر منصات محلية، بما يعكس تنامي الثقة في الاقتصاد الرقمي السعودي، وقدرته على الاحتفاظ بالقيمة داخل السوق الوطنية.

لكن القراءة الأكثر أهمية لا تكمن في هذه الأرقام نفسها، بل في ما خلفها، فالإنترنت لم تعد مجرد خدمة يستهلكها المواطن، بل أصبحت منصة يعمل من خلالها الطبيب ويبيع عبرها التاجر ويتعلم من خلالها الطالب، ويدير منها المستثمر أعماله ويبتكر من خلالها رائد الأعمال منتجاته. لقد أصبحت الإنترنت جزءا من الناتج المحلي ومن الإنتاجية ومن تنافسية الاقتصاد.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تختلف عن كل ما سبقها، فإذا كان العقد الماضي هو عقد بناء الشبكات، فإن العقد القادم ينبغي أن يكون عقد تعظيم القيمة المضافة لهذه الشبكات. المطلوب اليوم ليس فقط زيادة السرعات، بل إنتاج مزيد من المحتوى الرقمي وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، وتوسيع اقتصاد البيانات وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي للخدمات السحابية والابتكار والصناعات الرقمية.

لقد نجحت المملكة في بناء واحدة من أقوى البنى التحتية الرقمية في المنطقة، لكن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لن تقاس بعدد الأبراج أو الكيلومترات من الألياف الضوئية، وإنما بعدد الشركات التي ستولد من هذه البيئة وحجم الوظائف التي ستخلقها، والاستثمارات التي ستجذبها والمعرفة التي ستنتجها.

Barjasbh@