الدواء الذي لا تبيعه الصيدليات
هبة مبارك الدوسري3 دقائق للقراءةحجم الخط
في عيادة هادئة بمدينة مونتريال الكندية، جلس مريض في منتصف العمر يشكو من إرهاق مزمن واضطرابات في النوم وآلام غامضة لم تعد تستجيب للمسكنات المعتادة. بعد الفحص والنقاش، أمسكت الطبيبة بقلمها لتكتب الوصفة. لكن حين تسلم المريض الورقة، لم يجد اسما لمركب دوائي معقد، بل وجد توصية طبية رسمية بعنوان: زيارة أسبوعية لمتحف الفنون الجميلة.
لم يكن هذا المشهد جزءا من رواية خيالية، بل تطبيق حقيقي لبروتوكول طبي متنام يعرف بـ«الوصفة الاجتماعية» (Social Prescribing)، حيث يملك الطبيب صلاحية وصف أنشطة مجتمعية للمرضى بصحبة أفراد من عائلاتهم أو من يعتني به، أنشطة مثل الانضمام لنوادي المشي أو فصول الفنون أو فرق العناية بالحدائق العامة، كجزء من الخطة العلاجية والتي تغطيها أحيانا أنظمة التأمين الصحي.
لماذا يلجأ الطب وهو العلم الصارم القائم على الأدلة والبراهين إلى هذا النوع من التدخلات؟ في عام 2025، وضعت منظمة الصحة العالمية التواصل الاجتماعي في قلب الصحة العامة، مشيرة إلى أن نحو واحد من كل ستة أشخاص في العالم يشعر بالوحدة، وأن ضعف الروابط الاجتماعية يرتبط بزيادة مخاطر الاكتئاب وأمراض القلب والوفاة المبكرة، وهذا ما أشارت إليه العديد من الدراسات والبحوث المختلفة.
ما يستحق التوقف عنده أن فكرة الوصفة الاجتماعية لم تعد حبيسة بريطانيا وكندا الدولتين الرائدتين فيها، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى تجربة عالمية متنامية. مراجعات علمية حديثة رصدت وجود برامج للوصفة الاجتماعية، بأشكال ودرجات نضج متفاوتة في نحو سبع عشرة دولة، من بينها ألمانيا والدنمارك وفنلندا والسويد وهولندا والبرتغال وأستراليا ونيوزيلندا وإسبانيا وأيرلندا، إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والولايات المتحدة.
وتختلف طريقة التطبيق باختلاف السياق الاجتماعي لكل بلد؛ ففي أيرلندا تقدم هيئة الصحة العامة الوصفة الاجتماعية كخدمة مجانية لكل من تجاوز الثامنة عشرة، عبر منسق يساعد الشخص على اختيار نشاط مجتمعي مناسب، مع إمكانية الإحالة الذاتية دون المرور بالطبيب. وفي ألمانيا تتركز البرامج في الأحياء الأكثر حرمانا اقتصاديا، بينما توجه البرتغال تجاربها التجريبية نحو المجتمعات ذات النسبة العالية من المهاجرين، وتركز سلوفينيا على الفئات المهمشة اقتصاديا. أما في النمسا فارتبطت الوصفة الاجتماعية ببرامج تعزيز الصحة التي تسارعت بعد جائحة كورونا، حين تأكدت الحاجة إلى حلول تعالج العزلة لا الأعراض فقط. وتناقش أستراليا حاليا استلهاما من تجربتي بريطانيا وكندا، إدراج هذا النموذج ضمن نظامها الصحي الرسمي.
هذا الانتشار المتسارع لا يعني أن الوصفة الاجتماعية حل سحري أو بديل عن الطب. تذكرة المتحف أو حصة الفنون لن تعالج اكتئابا إكلينيكيا حادا، ولا ينبغي لها أن تلغي دور التدخل الدوائي أو العلاج الطبي والنفسي المتخصص حين تشتد الحاجة إليه. فليست كل أزمة نفسية تحل بالخروج من المنزل والاختلاط بالناس، وقد تكون محاولة الانخراط القسري في المجتمع منهكة ومآلها الفشل أحيانا. الوصفة الاجتماعية هي ببساطة خيار مكمل، يقر بأن الأدوية العلاجية قد ترمم الجسد، لكنها وحدها لا تعيد للإنسان إحساسه بالحياة.
ما تخبرنا به هذه التجربة الحديثة، سبقت إليه الحكمة النبوية منذ أربعة عشر قرنا بعبارة موجزة عميقة الدلالة، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا». فالتشبيه هنا بنيوي: كما لا يقوم الجدار بلبنة واحدة مهما بلغت متانتها، لا يقوى الإنسان على الصمود أمام ضغوط الحياة وحده، بل يحتاج إلى شبكة من العلاقات يسند بعضها بعضا. وكأن العلم حين يوصي اليوم بمتحف أو ناد أو جلسة جماعية، لا يخترع شيئا جديدا بقدر ما يعيد اكتشاف حقيقة فطرية عرفها الوحي منذ زمن: وهي أن سلامة الفرد لا تكتمل إلا داخل نسيج جماعي متماسك.
من مونتريال إلى دبلن وبرلين وسيول، يبدو أن جزءا كبيرا من عافيتنا لا يباع مغلفا في الصيدليات. بل يكمن في عيون الآخرين وأصواتهم ومشاركتهم إيقاع الحياة الحقيقي. وربما يستحق الأمر أن نتوقف قليلا لنسأل أنفسنا: متى كانت آخر مرة تلقينا فيها أو منحنا غيرنا وصفة للتعافي لا تحتاج إلى ورقة من طبيب.. بل إلى مجرد حضور واهتمام إنساني حقيقي؟
HibahAldosari@
