«أزمة قدوة».. بعد رحيل سكان الصحافة الأصليين
محمد المغيري3 دقائق للقراءةحجم الخط
الشرارة الأولى في عام 2012م، التقطت عدسة هاتف عابرة زلة عفوية لشخص مجهول، فانتشر مقطعها كالنار في الهشيم بين مجتمع لم يعتد بعد على مثل هذا النوع من المحتوى، لم ندرك حينها أننا وضعنا أقدامنا على أولى درجات سلم النزول نحو ما يمكن تسميته تطويع الوجدان الجمعي، ذلك المؤشر المقلق الذي يذكرنا بأن الأفكار المتداولة يوميا بين الأفراد هي التي تصوغ ملامح تنمية المجتمع، ومستقبل أبنائه، وهويته التي توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل.
صناعة القدوة الزائفة
في حين كانت الصحافة الرسمية تقدم الكفاءات الوطنية الملهمة، صفحة تلو صفحة، وتصاحبها نغمة تقليب الورق ورائحة طبعة الصباح التي طالما كانت بوابتنا الأولى إلى العالم، تسلل في غفلة من هذا المشهد الهادئ من سحب البساط من تحت أقدام روادها تدريجيا، فولد مفهوم جديد صنع مسميات (الصحافة التقليدية والإعلام الجديد)، واستبدل معيار الكفاءة، الذي طالما كان محكوما بالخبرة والتراكم المعرفي، بمعيار الأكثر مشاهدة.وهنا بالتحديد تحولت صناعة القدوة، التي حللها علماء الاجتماع بوصفها عملية تراكمية بطيئة تقوم على التعب والعلم والتضحية، إلى مسار مختصر يقوم على الظهور الفردي، وحضور اللحظة لا حضور الأثر المثري، فمنحنا منصاتنا لمن لا يملك سوى الضجيج، وشرعنا بذلك قدوات من ورق، خالية من العمق الذي تشترطه أي منظومة قيمية إعلاميا، في وقت كانت مناهجنا الدراسية تزدان بقدوات وطنية ملهمة، كالأمير سلطان بن سلمان، أول رائد فضاء عربي، والراحل غازي القصيبي رحمه الله، وغيرهما من مفكرين وأدباء وعلماء كان الصغير يحفظهم ويحفظ تاريخهم الوطني الكبير، وكيف بنوا أمجادهم بصمت العلم والعمل، لا بصخب الشاشات، ليكونوا شاهدا على أن القدوة الحقة لا تتم صناعتها في عشر ثوان في تطبيق هاتف، بل تنحت عبر مسيرة عمر كامل.
أزمة ثقة لا أزمة ذائقة
تشير تقارير هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في وقت سابق إلى أن الفرد يقضي أكثر من نصف يومه على منصات التواصل الاجتماعي، وهذا الرقم وحده كفيل بأن يرسم لنا حجم الفجوة التي اتسعت بين النموذج والمؤثر.لقد باتت السلبية عملة رائجة تجلب الشهرة والمال، ورسخت ثقافة التسطيح، حتى صار المجتمع بأسره يعيش أزمة ثقة عميقة، لا في الأفراد فحسب، بل في معايير التقييم نفسها، وفي القدرة على التمييز بين من يستحق أن يكون قدوة، ومن استعار مساحة لا يملك جدارتها.
نحو استعادة جوهر القدوة
حين سأل أحد أطفالي عن صورة الدكتور غازي القصيبي المعلقة في مكتبي بـ(من هذا؟)، بينما عرف أحد مشاهير التطبيقات فورا وسرد لي قصص كفاحه المزعومة، أدركت أن المعركة ليست مع شاشات الهواتف وحسب، بل مع الصمت الذي نتركه نحن الآباء حين لا نروي سير أبطالنا الحقيقيين، وقد أثبت ذلك قراءة تجربة فنلندا في التربية الرقمية النقدية، بحسب المجلس الفنلندي للإعلام لعام 2021، أن بناء وعي النشء أجدى من منع المحتوى وحده، فلنبدأ من البيت، بسرد سيرة الوطنيين الملهمين، قبل أن يسبقنا الضجيج إلى قناعات الجيل القادم، ويسرق منهم فرصة أن يكبروا وهم يحلمون بالإنجاز، لا بالانتشار.
الناجح ليس من الضروري أن يكون مشهورا) علموا أطفالكم: (الشهرة لا تعني النجاح).
moha_alm@
