حين يقترب فصل الصيف في مرتفعات عسير، تتدلى عناقيد العنب على المدرجات الزراعية في مشهد يتكرر منذ مئات السنين، ليعلن بداية أحد أبرز المواسم الزراعية التي ارتبطت بهوية المنطقة وتراثها. وبينما حافظ المزارعون على خبراتهم المتوارثة في خدمة كروم العنب، أسهمت التقنيات الزراعية الحديثة والدعم الحكومي في تطوير هذا القطاع ورفع جودة إنتاجه، ليصبح العنب العسيري أحد المنتجات الزراعية التي تحظى بحضور متزايد في الأسواق المحلية.

وتعد منطقة عسير من أبرز مناطق إنتاج العنب في المملكة، إذ تنتشر فيها أكثر من 500 مزرعة تنتج سنويا ما يزيد على ألف طن من أجود أصناف العنب، فيما يبرز مركز الماوين - 95 كلم شمال مدينة أبها - بوصفه أشهر المواقع الزراعية المتخصصة في زراعة هذه الفاكهة، لما يتمتع به من مناخ معتدل وتربة خصبة وإرث زراعي عريق، وتتنوع فيه الأصناف بين الرازقي والإيطالي والفرنسي وغيرها من الأصناف المحلية والمستوردة.

ويحافظ مزارعو عسير على عدد من الممارسات الزراعية التقليدية التي أثبتت فاعليتها عبر الأجيال، ومن أبرزها عملية «تحبيس العنب» التي تبدأ في مايو مع ظهور الثمار، وتعتمد على إزالة الأوراق الكثيفة المحيطة بالعناقيد لتسهيل تعرضها لأشعة الشمس وتحسين التهوية وزيادة استفادة الثمار من العصارة النباتية، إلى جانب حرث التربة وإزالة الأعشاب الضارة، وهي ممارسات تسهم في رفع جودة الإنتاج وزيادة كمياته قبل موسم الحصاد في شهري يوليو وأغسطس.

وفي مركز «الماوين» يروي المزارع عبدالله آل شفلوت رحلة امتدت أكثر من ربع قرن مع زراعة العنب، مبينا أن بدايتها كانت عام 1419هـ بعد حصوله على دعم حكومي، قبل أن تتحول المزرعة إلى مشروع إنتاجي متكامل عام 1436هـ. وأوضح أن المزرعة تضم اليوم 1125 شجرة عنب إضافة إلى نحو 150 شجرة من الرمان والتين والتوت والكرز والليمون والقهوة العربية وغيرها من الأشجار المثمرة، فضلا عن مزرعة أخرى تحتوي على 440 شجرة.

وأشار إلى أن زراعة العنب في «الماوين» ليست نشاطا اقتصاديا فحسب، بل مهنة متوارثة منذ مئات السنين، تشهد عليها الآبار الأثرية المنتشرة في أنحاء المركز، مؤكدا أن المزارعين ما زالوا يحافظون على الأصناف المحلية القديمة، وفي مقدمتها الرازقي الأسود والأحمر، إلى جانب إدخال أصناف عالمية مثل الإيطالي والفرنسي والسوبريور والبناتي، بما يواكب تطور القطاع الزراعي ويمنح المستهلك خيارات متنوعة.