من المعرفة إلى المهارة: كيف تغير معيار التفوق؟
عبدالحليم البراك3 دقائق للقراءةحجم الخط
لا تزال المعرفة هي القوة الحقيقية، وهي السر الخفي في التفوق، على المستوى الفردي بين الناس، وعلى المستوى الكبير جدا، فتقدم الأمم مرهون هو الآخر بالمعرفة، وأي معرفة مقابل الجهل انتصار، فالمدير الذي يعرف - وهو متواضع الفهم - سيبقى الأقوى مقابل الآخر الأقل معرفة والأكثر حدسا وفهما للأمور، لكن الآن ربما نقول هذا يصدق على المعرفة الحصرية.
أما الآن فالمعرفة المفتوحة صارت ملك الجميع، والعبرة بالعمل والإنتاج والفهم والحدس الصحيح، بل يمكننا أن نقول: في عصر ندرة المعلومات كانت المعرفة هي مصدر التفوق. أما في عصر وفرة المعلومات، فأصبح التفوق لمن يحسن التعامل مع المعرفة، ويفهمها، ويربطها، ويحولها إلى إنجاز. فقد تكون المعرفة متاحة، لكن المنتج الصحيح هو الذي يصنع الفارق الحقيقي. وهي المهارة الحقيقة للأفراد والمجتمعات
قبل عشرين عاما، كان المدير الذي يعرف أساليب الإدارة الحديثة يتفوق بسهولة على غيره.
اليوم، يستطيع جميع المديرين قراءة الكتب نفسها أو سؤال الذكاء الاصطناعي عن أفضل الممارسات.
الآن المدير المتفوق هو من: يتخذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. يفهم فريقه. يطبق المعرفة عمليا. أي أن التطبيق أصبح أهم من امتلاك المعلومة.
ولا يقتصر الأمر على الإدارة، فالمبرمج يمكن أن يسأل الذكاء الاصطناعي: «اكتب لي برنامجا بلغة بايثون» لكن المبرمج المتميز هو الذي يعرف: هل الكود صحيح؟ هل يناسب المشكلة؟ هل يمكن تطويره وصيانته؟ ما المخاطر الأمنية فيه؟ فالذكاء الاصطناعي يوفر المعرفة، أما الحكم السليم فيبقى عند الإنسان.
وعلى مستوى آخر؛ معظم الأطباء يستطيعون قراءة أحدث الأبحاث. لكن الطبيب المتميز هو الذي يستطيع: تشخيص الحالة الصعبة وملاحظة التفاصيل الصغيرة. اتخاذ القرار الصحيح تحت الضغط. المعرفة هنا مشتركة، لكن الخبرة والحدس المبني على التجربة هما الفارق.
حتى في عالم الاستثمار؛ جميع المستثمرين يرون الأخبار نفسها، ويقرؤون القوائم المالية نفسها لكن أحدهما يربح والآخر يخسر. السبب ليس نقص المعلومات، وإنما: تفسير المعلومات، تقدير المخاطر والانضباط النفسي.
كما يمكن لطالبين حضور الدرس نفسه. الأول يحفظه وينساه وقد لا ينساه بل لا يستطيع الإجابة عن سؤال الربط بين موضوعين أو أكثر، وقد لا يستطيع أن يستنتج الهدف الأساسي من المقدمة، فهو ليس سوى ذاكرة تستدعي لكنها لا تحل الإشكالية ولا تفكر، بينما الثاني يفهمه، ويربطه بما تعلمه سابقا، ويطبقه في مسائل جديدة. كلاهما امتلك المعرفة، لكن أحدهما حوّلها إلى مهارة.
والقرار السياسي لا يحتاج للمعرفة فحسب بل يحتاج إلى الفهم العميق للنفس الإنسانية وأهداف الأمم الأخرى، وثقافتها وطرق التعامل معها، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وخلق التوازن بين الخسائر والأرباح، والأخذ بالاعتبار التنمية من جهة؛ والموقف الدولي من جهة أخرى. فالموضوع في غاية الأهمية في نظر السياسي المحنك وهي لعبة التوازن الدولي.
لذلك ربما علينا أن نعلي من أهمية الذكاء الاجتماعي والعلمي والفهم والإدراك، والتحليل الصحيح والتفوق في الفهم والعبرة في النتائج والإنتاج وليس في الحفظ وكمية المعلومات فبرامج الذكاء الاصطناعي وكمية المعلومات والبيانات صارت شبه متاحة، والعبرة بذكاء استخدامها، لقد انتقل العالم من عصر كان السؤال فيه: «ماذا تعرف؟» إلى عصر أصبح السؤال فيه: «ماذا تستطيع أن تصنع بما تعرف؟». ومن هنا - يمكننا أن نقول أحيانا - لم تعد القيمة الحقيقية في امتلاك المعرفة، بل في تحويلها إلى فهم، والفهم إلى قرار، والقرار إلى إنجاز.
Halemalbaarrak@
