لم تكن الصورة يوما مجرد مشهد عابر تلتقطه عدسة مصور، بل أصبحت مع مرور الزمن وثيقة تاريخية تحفظ ما قد تعجز عنه الكلمات. وفي مدينة عريقة كمكة المكرمة، التي شهدت تحولات عمرانية واجتماعية متسارعة خلال العقود الماضية، تكتسب الصور القديمة أهمية استثنائية؛ إذ توثق معالم اندثرت، وأحياء تغيرت ملامحها، ومشاهد من الحياة اليومية أصبحت جزءا من الذاكرة.

ومن هنا برزت الكتب المصورة الخاصة بتاريخ مكة المكرمة بوصفها سجلا بصريا فريدا يجمع بين التوثيق التاريخي ومتعة المشاهدة، وأسهمت في حفظ جانب مهم من الذاكرة المكية ونقلها إلى الأجيال اللاحقة. وفي هذا المقال نستعرض نماذج من أبرز هذه الكتب التي وثقت مكة المكرمة والمسجد الحرام والمشاعر المقدسة بالصور والرسوم.

وبحسب ما يظهر من المصادر المتاحة، فإن المؤرخ المكي الشيخ محمد طاهر الكردي - رحمه الله - يعد من أوائل من جمعوا بين كتابة التاريخ لمكة المكرمة والتوثيق الفوتوغرافي لمعالمها وأحداثها. ورغم أن التصوير الفوتوغرافي لمكة سبق الكردي بسنوات، كما أن هناك من دون تاريخها قبله، إلا أن ما ميزه هو حرصه على تصوير الأحداث المكية ومعالمها العمرانية والدينية بعدسته، ثم توظيف تلك الصور النادرة في كتابه الشهير «التاريخ القويم لمكة المكرمة وبيت الله الكريم»، الذي صدر في ستة أجزاء، لتكون شاهدا بصريا على ما يسجله من وقائع وأوصاف.

وقد أصبحت هذه الصور اليوم سجلا بصريا بالغ الأهمية، يوثق ملامح مكة المكرمة وتحولاتها العمرانية والاجتماعية في تلك المرحلة التاريخية.

ومن الكتب المصورة المهمة أيضا كتاب «مصور في الحج.. رحلات محمد أفندي السعودي 1904–1908م» من تأليف فريد قيومجي كحيل وروبرت جراهام.

ويعد هذا الكتاب توثيقا مصورا لرحلة الحج والأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة خلال مطلع القرن العشرين، حيث اعتمد المؤلفان على يوميات محمد أفندي السعودي وصوره الفوتوغرافية النادرة، مقدمين مادة تاريخية ثرية تجمع بين السرد التاريخي والتوثيق البصري.

كما يبرز كتاب «الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة» بوصفه أحد أهم المراجع المصورة في تاريخ مكة المكرمة. ويضم الكتاب شواهد تاريخية تمتد من القرن الخامس الهجري حتى النصف الأول من القرن الخامس عشر الهجري، متضمنا رسومات وصورا بالأبيض والأسود وأخرى ملونة لمكة المكرمة والمسجد الحرام، التقطها مصورون مكيون ورحالة وحجاج. كما يوثق كثيرا من التطورات التي شهدها المسجد الحرام والمشاعر المقدسة عبر العصور قبل ظهور التصوير الفوتوغرافي وبعده. وقد ألفه الدكتور معراج نواب مرزا والدكتور عبدالله صالح شاوش رحمه الله، وصدر باللغتين العربية والإنجليزية، ليصبح مرجعا أساسيا للباحثين والمهتمين بتاريخ مكة المكرمة المصور.

ولم تقتصر جهود التوثيق المصور على هذه الإصدارات فحسب، بل ظهرت كتب وألبومات أخرى حفظت جانبا مهما من الذاكرة البصرية لمكة المكرمة، ورصدت تحولات عمرانها ومعالمها ومشاهد الحياة فيها عبر فترات زمنية مختلفة.

ومن أبرزها كتاب «لقطات من المعالم العمرانية لمكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف» للأستاذ أنيس شودري، وهو ألبوم مصور يضم صورا التقطها المؤلف بين عامي 1387هـ و1404هـ، موثقا معالم عمرانية ومباني وبيوتا لم تعد قائمة اليوم، إلى جانب صور للمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف خلال تلك الفترة.

أما كتاب «مكة المكرمة والمدينة المنورة في ألبومات يلديز» فيستمد أهميته من احتوائه على صور فوتوغرافية نادرة التقطت بين عامي 1876م و1908م، ويضم مشاهد نادرة للحرمين الشريفين والأراضي المقدسة، من بينها صور بانورامية تعد من أقدم الصور المعروفة لمكة المكرمة والمدينة المنورة.

ويأتي كتاب «مكة المكرمة.. صور وعملات نادرة» ضمن الإصدارات التي أبرزت الكنوز الوثائقية المتعلقة بمكة المكرمة، حيث ضم مجموعة من الصور التاريخية النادرة للحرم المكي الشريف وبعض العملات القديمة، وصدر بمناسبة اختيار مكة المكرمة عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2005م.

ومن الكتب التي وثقت تاريخ المسجد الحرام في العهد السعودي كتاب «درر الجامع الثمين لأعمال الملوك من آل سعود الميامين»، الذي استعرض جهود ملوك المملكة العربية السعودية في خدمة المسجد الحرام وتوسعته وتطوير مرافقه منذ عهد الملك عبد العزيز وحتى عهد الملك فهد - رحمهم الله -، مدعما ذلك بمجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية التوثيقية.

كما يعد كتاب «الحجاج إلى مكة 1325هـ / 1908م» من المصادر المصورة المهمة؛ إذ يضم 53 صورة فوتوغرافية التقطها الدكتور محمد الحسيني، مساعد القنصل البريطاني في جدة، موثقا رحلة الحج ومراحلها المختلفة وما يرتبط بها من مشاهد للأماكن المقدسة والموانئ والبعثات الرسمية.

ومن الكتب المصورة كذلك كتاب «المملكة العربية السعودية.. صور وذكريات: مكة المكرمة، المدينة المنورة، الرياض، جدة، الطائف (1297–1385هـ)»، الذي جمعه وأعده أنيس بشير شودري ومحمد أنيس شودري، وجاء في أكثر من 370 صفحة ضمت نحو 328 صورة التقطها عدد من أشهر مصوري تلك المرحلة، موثقا جوانب متنوعة من تاريخ المدن السعودية وفي مقدمتها مكة المكرمة.

كما يضاف إلى ذلك كتاب «مكة المكرمة والمدينة المنورة.. صور نادرة»، الذي يضم مجموعة من الصور التاريخية التي تقتنيها مكتبة الملك عبد العزيز العامة، التقطها مصورون ورحالة بارزون مثل محمد صادق بك وأحمد مرزا ومحمد حلمي وسنوك، موثقين مشاهد من الحرمين الشريفين والأماكن المقدسة خلال فترات تاريخية مختلفة.

ومع تطور وسائل التصوير والنشر، اتسعت دائرة التوثيق البصري لمكة المكرمة، فظهرت إصدارات اعتمدت على المقارنة الزمنية بين الصور القديمة والحديثة، وأخرى استفادت من التقنيات الرقمية والتصوير الجوي لإبراز التحولات العمرانية التي شهدتها المدينة المقدسة.

ومن الإصدارات الحديثة نسبيا كتاب «مكة المكرمة من الجو»، الذي قدم رؤية بصرية مختلفة لمكة المكرمة من خلال التصوير الجوي، متناولا المسجد الحرام والمشاعر المقدسة والأحياء المكية القديمة والحديثة في صور بانورامية التقطها المصور التركي أورخان خلال مواسم الحج بين عامي 2007م و2009م.

ويأتي كتاب «مكة المكرمة من السماء.. الماضي والحاضر» بوصفه أول عمل من نوعه على مستوى العالم يجمع بين صور جوية قديمة وحديثة لمدينة واحدة، بفاصل زمني يمتد لنحو خمسين عاما بين 1385هـ و1435هـ. وقد صدر عام 1437هـ، وامتاز بعرض التحولات العمرانية والجغرافية لمكة المكرمة من الجو من خلال مقارنة بصرية دقيقة بين الماضي والحاضر. والكتاب من تأليف الدكتور معراج بن نواب مرزا، والدكتور رمزي بن أحمد الزهراني، والدكتور محمد معراج مرزا.

ومن الإصدارات المتميزة أيضا كتاب «الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة الرقمي» من القرن السادس حتى النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري»، الذي ضم أكثر من 600 صورة ورسمة تاريخية موزعة على نحو 320 صفحة. وتمثل أبرز إضافاته توظيف رمز الاستجابة السريع (QR Code) لربط كثير من الرسوم والصور بمواقعها الجغرافية على الخرائط الفضائية، مما أتاح للقارئ الانتقال من الصورة التاريخية إلى موقعها الحالي بصورة مباشرة.

كما لم يعد التوثيق البصري لمكة المكرمة مقتصرا على الكتب والألبومات المطبوعة، بل امتد إلى المنصات الرقمية والمبادرات المتخصصة التي تسعى إلى حفظ الذاكرة المكية وإتاحتها للمهتمين والباحثين. ومن أبرز هذه المبادرات حساب «ذاكرة مكة المصورة» على منصة X، الذي انطلق عام 2021م بإشراف مباشر من موقع «قبلة الدنيا»، ويعنى بالتوثيق الرقمي المؤرخ لصور مكة المكرمة قديما وحديثا، إلى جانب التعريف برواد التصوير الفوتوغرافي ومعاصريهم، وإبراز ما تركوه من إرث بصري يوثق تاريخ المدينة المقدسة وتحولاتها.

كما شهد عام 2022م تدشين «متحف المكتين: بين الفرشاة والعدسة»، ليكون أول متحف متخصص في عرض وتوثيق والتعريف بصور تاريخ المدينتين المقدستين، مكة المكرمة والمدينة المنورة، وذلك ضمن مبادرات مؤسسة المداد للتراث والثقافة والفنون، وبرعاية وقفية الشيخ صالح حمزة صيرفي - رحمه الله -. ويهدف المتحف إلى إبراز تاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة المصور من خلال ما يضمه من أعمال فنية وصور ووثائق تسهم في حفظ الذاكرة البصرية للمدينتين المقدستين وتعريف الأجيال بهما.

وفي ظل ما تشهده مكة المكرمة من تطور متسارع وتحولات عمرانية متلاحقة، تزداد أهمية هذه الكتب والألبومات والمبادرات التوثيقية بوصفها حافظة للذاكرة البصرية للمدينة المقدسة، تحفظ ملامحها للأجيال القادمة، وتؤكد أن الصورة قادرة على أن تروي تاريخ مكة المكرمة بقدر ما ترويه الكلمة، وأن تحفظ من تفاصيل المكان والزمان ما قد يطويه النسيان.

makkawicom@